العنف الجماهيريّ في الملاعب الجزائرية... ظاهرة متكررة ولا حلول ناجعة!
دخل الدوري الجزائري لكرة القدم هذا الموسم مرحلة أخرى من مراحل النضوج مثلما يسميها الكثير من المتابعين، نظرا إلى عوامل عدة أبرزها الملاعب الجديدة التي شُيدت أخيرا وزينت بها مباريات الدوري والمنتخب الجزائري.
وزادت التعاقدات المدوية للأندية الجزائرية الصيف الماضي مع لاعبي الصف الأول، وَهج الدوري، وخصوصا أن الأسماء عُدت رنّانة ولها باع في الميادين، على غرار تعاقد نادي شباب بلوزداد مع إسلام سليماني ومولودية الجزائر مع أندي ديلور ونادي شبيبة القبائل مع الدولي السابق رياض بودبوز.
ولأن شغف كرة القدم لدى الجزائريين كبير، فقد شهدت مدرجات الملاعب بداية الموسم توافدا بعشرات الآلاف، لم يمر مرور الكرام خلال المباريات الموصوفة بالكبيرة، إذ شهدت الكثير من أحداث العنف خلّفت جرحى ومصابين وخسائر مادية في الملاعب وفي محيطها الداخلي والخارجي.
الأسباب عديدة، يحصرها متابعون بعوامل كثيرة منها التعصب اللامعقول للجماهير، إذ يبحث الجميع عن فوز فريقه ولا شيء غير الفوز، وكذا الاحتقان بين جماهير بعض الفرق، بالإضافة إلى الأخطاء التحكيمية التي تزيد أحيانا حدة العنف الجماهيري، مثلما حدث أخيرا في مباراة النادي القسنطيني ونجم مقرة برسم اليوم الـ13 من دوري الدرجة الأولى، عندما تراجع الحكم عن احتساب هدف للفريق المضيف النادي القسنطيني في آخر أوقات المباراة، بعدما كان قد احتسبه مرتين، غير أن لاعبي نجم مقرة ضغطوا على الحكم من خلال فيديو عبر الهاتف يظهر وجود حالة تسلل، ما حمله على إلغاء الهدف.
الاتحاد الجزائري لكرة القدم ومعه الرابطة المسؤولة عن الدوري، حاولا احتواء الوضع من خلال توقيع عقوبات على النوادي وجماهيرها المتسببة بأحداث العنف.

وتُعدّ برمجة مقابلات من دون جمهور أكثر العقوبات تداولا في الدوري الجزائري لكرة القدم هذا الموسم، حيث حُرمت الجماهير الغفيرة متابعة فرقها من مدرجات الملاعب لتسببها بالعنف الذي أضحى ماركة مسجلة لدى بعضها.
ووصل الأمر بولاة المحافظات إلى التدخل لمنع توافد جمهور الفريق الضيف تجنبا لأحداث العنف ومخافة اندلاع أعمال شغب بين الجماهير، وهو ما حدث في مباراة وفاق سطيف ومولودية الجزائر، كذلك تمنع رابطة كرة القدم تنقل جماهير فريقي النادي القسنطيني ومولودية الجزائر سواء إلى قسنطينة بالنسبة إلى جمهور المولودية أو إلى الجزائر العاصمة بالنسبة إلى جمهور قسنطينة، وهو وضعٌ يُؤكد أن العنف بلغ حدّاً لم يعد فيه مجالٌ للحديث عن شغف كرة القدم.
وعن دوافع العنف في الملاعب، يقول الإعلامي الرياضي مهدي آيت قاسي لـ"النهار" إنها ترجع أساساً إلى "إعطاء كرة القدم أكثر من حجمها الحقيقيّ كلعبة وكرياضة"، مضيفا أن "لا مبرر للعنف مهما كان وفي أيّ شكل من الأشكال".
ويشير آيت قاسي لـ"النهار" إلى أن "الجماهير الجزائرية تتوجه إلى الملعب لتشجيع فريقها حاملة معها اعتبارات عدة بينها الضغط والفراغ الاجتماعيّان، بالإضافة إلى انعدام البدائل الترفيهيّة سواء أكانت رياضية أم ثقافية أم غيرها"، لافتا إلى أن "هذه الأسباب هي التي تقف وراء السلوك الذي يمكن تصنيفه كظاهرة متكررة من دون إيجاد العلاج الأنسب لها".
وينتقد طريقة معالجة الظاهرة من خلال العقوبات التي يفرضها مسؤولو كرة القدم في الجزائر على الجماهير، ومنعها من حضور مباريات فرقها، مؤكدا أنها "أثبتت فشلها أكثر من مرة".
ويضيف أن "مدرجات الملاعب تُعد المُتنفَّس الوحيد للجماهير الجزائرية، وحرمانها ذلك يجعلها أكثر شغباً وهمجية وأكثر عنفاً، ولا يمكن في أي حال مواجهة إشكالية ما بإشكالية أخرى"، لافتا إلى عدم اعتماد دول متقدمة في لعبة كرة القدم على هذه العقوبات "رغم أن بعضاً منها شهدت ملاعبها ولا تزال عنفاً جماهيرياً كبيراً.
وينادي آيت قاسي وغيره من الرياضيين والمتابعين للشأن الرياضي بالجزائر، بضرورة مراجعة السياسة العامة لكرة القدم في البلاد وإعادة هيكلة النوادي في شكل احترافي، وهو ما من شأنه "إعادة الأمور إلى نصابها سواء على مستوى الأندية أو على مستوى الأداء الجماهيري فوق مدرجات الملاعب".

نبض