عرفتها من ملمس شعرها بعد 44 عاما... حكومة باعت نحو 9 آلاف طفل
قبل 44 عاما، تركت سيدة كورية جنوبية ابنتها الطفلة في مكان قريب من السوق لتعلب مع صديقاتها، إلا أنها منذ ذلك الحين اختفت الى حين التقت بها بعد 44 عاما . وبمتابعة القضية، تبين أن ابنتها كما كثيرات كن ضحية برنامج الدولة للتبني بغرض التخفيف من الاعباء الاقتصادية في السبعينيات.
آخر ذكرى تحتفظ بها هان تاي سون عن ابنتها في طفولتها تعود إلى أيار/مايو 1975، في منزلهما في سيول.
تتذكر هان: "كنت ذاهبة إلى السوق وسألتها: كيونغ ها ألن تأتين؟' لكنها قالت لي: 'لا، سألعب مع أصدقائي'".
تعلق: "عندما عدتُ، لم أجدها."

ولم تر هان ابنتها مرة أخرى لأكثر من أربعة عقود. عندما التقتا، كانت كيونغ ها امرأة أميركية في منتصف العمر تُدعى لوري بيندر، يصعب التعرف عليها.
وتزعم هان، التي تُقاضي الآن الحكومة الكورية الجنوبية لفشلها في منع تبني ابنتها، أن كيونغ ها اختُطفت بالقرب من منزلها، ونُقلت إلى دار للأيتام، ثم أُرسلت بشكل غير قانوني إلى الولايات المتحدة لتربيتها عائلة أخرى.
والوالدة من بين مئات الأشخاص الذين تقدموا في السنوات الأخيرة بادعاءات دامغة تتعلق بالاحتيال والتبني غير القانوني والاختطاف والاتجار بالبشر في إطار برنامج التبني الكوري الجنوبي المثير للجدل في الخارج.

ولم ترسل أي دولة أخرى هذا العدد من الأطفال للتبني إلى الخارج، ولفترة طويلة، كما فعلت كوريا الجنوبية. ومنذ بدء البرنامج في خمسينيات القرن الماضي، تم تبني ما بين 170 ألفًا و200 ألف طفل في الخارج - معظمهم في الغرب.
في آذار/مارس، خلص تحقيق بارز إلى أن الحكومات المتعاقبة ارتكبت انتهاكات لحقوق الإنسان بسبب افتقارها للرقابة، مما سمح للوكالات الخاصة "بتهريب الأطفال بكميات كبيرة" لتحقيق الربح على نطاق واسع.
ويقول الخبراء إن النتائج قد تفتح الباب أمام المزيد من الدعاوى القضائية ضد الحكومة. ومن المقرر أن تُحال قضية هان إلى المحكمة الشهر المقبل.
هذه واحدة من قضيتين بارزتين. هان هي أول والدة بيولوجية لطفل متبنى في الخارج تطالب بتعويضات من الحكومة، بينما في عام 2019، كان رجل مُتبنى في الولايات المتحدة أول طفل متبنى يرفع دعوى قضائية.
وصرح متحدث باسم الحكومة لبي بي سي بأنها "تتعاطف بشدة مع الألم النفسي الذي يعانيه الأفراد والعائلات الذين لم يتمكنوا من العثور على بعضهم البعض لفترة طويلة".
وأضافت أنها نظرت في قضية السيدة هان "بأسف عميق" وأنها ستتخذ "الإجراءات اللازمة" بناءً على نتيجة المحاكمة.
وقالت السيدة هان، البالغة من العمر 71 عامًا، لبي بي سي إنها مصممة على أن تتحمل الحكومة المسؤولية.
"قضيت 44 عامًا أُدمر جسدي وعقلي في البحث عن ابنتي. لكن طوال ذلك الوقت، هل اعتذر لي أحد؟ لا أحد. ولا مرة واحدة."
ولعقود، زارت هي وزوجها مراكز الشرطة ودور الأيتام، ووزعا منشورات، وظهرا على التلفزيون يطلبان معلومات. قالت هان إنها أمضت أيامها تجوب الشوارع بحثًا عن ابنتها "حتى سقطت أظافر قدمي العشرة".
على مر السنين، ظنت أنها اقتربت من العثور عليها. في عام 1990، وبعد إحدى دعواتها التلفزيونية، التقت السيدة هان بامرأة ظنت أنها كيونغ ها، حتى أنها آوتها للعيش مع عائلتها لفترة. لكن المرأة اعترفت في النهاية بأنها ليست ابنتها".
وأخيرًا، حدث تقدم كبير عام 2019 عندما انضمت هان إلى 325 كامرا، وهي مجموعة تربط الكوريين المتبنين في الخارج بوالديهم البيولوجيين عن طريق مطابقة الحمض النووي.
وسرعان ما أبلغوا عن تطابق - لوري بيندر، ممرضة من كاليفورنيا. بعد عدة مكالمات هاتفية، سافرت إلى سيول لمقابلة هان، حيث اجتمعتا في المطار في لقاءٍ حزين.
وبينما تعانقتا، مررت هان أصابعها بين شعر كيونغ ها. قالت: "أعمل مصففة شعر منذ 30 عامًا. أستطيع بسهولة تمييز ابنتي بمجرد لمس شعرها. كنت أظن خطأً أنني وجدتها من قبل، لذلك اضطررتُ إلى لمس الشعر والتأكد من ذلك".
أول ما قالته لابنتها كان "أنا آسفة جدًا".
وكانت كيونغ ها، التي كانت في السادسة من عمرها آنذاك، تلعب قرب منزلها عندما اقتربت منها امرأة غريبة تدّعي معرفة والدتها. قيل لها إن والدتها "لم تعد بحاجة إليها"، فاقتادتها إلى محطة قطار.
بعد رحلة قطار مع المرأة، تُركت كيونغ ها في المحطة الأخيرة، حيث قبض عليها رجال الشرطة ووضعوها في دار للأيتام. وسرعان ما نُقلت جواً إلى الولايات المتحدة ليُتبناها زوجان في فرجينيا.
بعد سنوات، كشفت التحقيقات أنها حصلت على أوراق مزورة تُفيد بأنها يتيمة مهجورة لا يُعرف والداها.
قالت كيونغ ها سابقاً: "يبدو الأمر كما لو كنت تعيش حياةً زائفة، وكل ما تعرفه غير صحيح".
لم تكن حالتها فريدة من نوعها.
"تجارة بالأطفال"
وبدأ برنامج التبني في الخارج في كوريا الجنوبية بعد الحرب الكورية (1950-1953)، عندما كانت دولة فقيرة للغاية، يُقدر عدد الأطفال اليتامى والنازحين فيها بنحو 100 ألف طفل.
في ذلك الوقت، لم تكن هناك سوى عائلات قليلة مستعدة لتبني أطفال غير بيولوجيين، فبدأت الحكومة برنامجًا للتبني في الخارج، مُصنّفًا كجهد إنساني.
مع تنامي نفوذها، ازداد عدد الأطفال المُرسلين إلى الخارج، حيث ارتفع في سبعينيات القرن الماضي وبلغ ذروته في ثمانينياته. في عام 1985 وحده، تم إرسال أكثر من 8800 طفل إلى الخارج.
كان هناك طلب هائل من الغرب - فمع انخفاض معدلات المواليد وقلة عدد الأطفال المُتبنّين في الوطن، بدأت العائلات في البحث عن أطفال في أماكن أخرى.
بعد لمّ شملهما الأول، واجهت هان وكيونغ ها صعوبة في الحفاظ على صلة وثيقة.لا يقتصر الأمر على أنهما تعيشان في طرفين متقابلين من العالم، بل إن ابنتها نسيت معظم لغتها الكورية، بينما هان لا تجيد الإنكليزية إلا قليلاً.
يتواصلان عبر الرسائل النصية من حين لآخر، وتقضي هان ساعتين يوميًا في تعلم اللغاة الانكليزية من خلال كتابة عبارات في دفتر تمارين.
لكن هذا لا يكفي السيدة هان.
"مع أنني وجدت ابنتي، إلا أنني لا أشعر أنني وجدتها حقًا. كل ما أعرفه هو مكانها، ولكن ما فائدة ذلك إن لم نكن قادرين على التواصل؟"
"لقد دُمرت حياتي بأكملها... لن يُعوّضني أي مبلغ من المال ما خسرته."
نبض