هل يُمكن عقلنة المِسيانيّات المتصارعة في الشرق؟ هل من رئيس مُنقذ للبنان من الأخطار الوجودية؟
بقلم المحامي كارول سابا - باريس
"المواجهة لن تنتهي عن قريب بوقف نار أو هدنة. فمن يقرأ بواقعية سياسية، خريطة السياسات الإقليمية والدولية وتناقضاتها، وجغرافية الأخطار والمطامع، فسيعي أن السياسات الخطرة والمتوترة إقليمياً ودولياً، مُرشَّحة للاستمرار والتنامي". كتبت هذه الكلمات في 23 آب 2024 في النهار قبل أن تتنامى وتتسارع الضربات الحربية الإسرائيلية على نطاق واسع في لبنان. وكتبت حينها أيضاً عن تنامي المشاريع المِسيانية السياسية الدينية في المنطقة وأخطارها على لبنان. فقد شهدت المنطقة منذ ذلك الوقت تحولات مفصلية كبيرة ومُتسارعة. بالطبع، سقوط أنظمة الطغيان الحديدية القاتلة للحريات، أمر إيجابي أساسي للتأسيس لغد أفضل للمجتمعات العربية. لكن يبقى التساؤل حول طبيعة البديل. الدولة الوطنية الديموقراطية العلمانية، دولة المواطنة؟ أم دويلات حديدية جديدة طائفية ومذهبية الطابع لا مواطنة واحدة فيها؟
تساؤلات مشروعة في ظل نظام عالمي متوتر ومتحول ومتغير وضبابي، ومنطقة شرق أوسطية أمست مسرحاً مفتوحاً، لأكبر عملية كَرّ وفَرّ جيوسياسية تصادُمية بين مِسيانيات ثلاث، تتصارع في ما بينها منذ عقود وأجيال على صدر الشرق. لا أحد يدري اليوم أين سيقف هذا الصراع المُحتدم، وما حدُّه. فحذار من القراءات المتوترة المتسرعة دون بصيرة وتمييز. فمحركات تطورات الشرق المُتسارعة، غارقة في أبعادها المِسيانية المفعمة بالأخطار الوجودية التي تهدّد لبنان، الدولة، الصيغة والكيان. فلكل من هذه المسيانيات لاهوتها السياسي العقائدي الإلغائي للآخر الذي يجمع مُحركات جيوسياسيّة عالم اليوم، والماورائيات التاريخية الموروثة وسردياتها الصاعدة من أعماق الشرق وتراكماته. فالمِسيانية اليهودية تسترجع اليوم سردية إسرائيل الكبرى لتمنع، بالتوسّع والاستيطان، الأخطار الوجودية ومنها الديموغرافية. والمِسيانية السنّية الإخوانية تسترجع دولة الخلافة الأموية والأصولية في مشروع قديم جديد للإسلام السياسي التركي لتفرض دولة لا يقودها إلا دستور الشريعة الإسلامية. أما المِسيانية الشيعية المَهدية فهي تسترجع المظلومية التاريخية التي سلبت منها المشروعية الدينية، وهي توكل أمرها لولاية الفقيه وخياراته.
كل من هذه المسيانيات المُتناحرة تؤمن بأنها مجموعة "مُختارة" للقيام بمهمة سامية "وجوديّة"، فيها سردية حياة وموت للمجموعة، تتطلب منها تدخلاً حاسِماً وصاعِقاً في التاريخ والجغرافيا. كل منها، بعيدة عن دولة القانون والمؤسسات، وعن الدولة الوطنية وحدودها، ودولة المواطنة والعدالة الاجتماعية التي نؤمن بها، الدولة العلمانية التي تفصل الدين عن الدولة دون فصله عن المجتمع، والتي تساوي الرجل بالمرأة والجميع بالحقوق والموجبات والتي تحفظ كل الحريات. فمن الصعب عقلنة المِسيانيات التي تختلط فيها العقلانية بدرجات عالية من اللاعقلانية، لكون معاركها "وجودية" الطابع، وهي مُستعدة من أجلها لدفع كل الأثمان مهما كانت مؤلمة وباهظة، حتى الانتحارية الجماعية منها. فكل منها تتوغَّل اليوم في عمق مناطق المسيانيات الأخرى، مُتخطيةً جغرافيات الدول والقوانين الدولية، مُستعملةً لغة منطق القوة، لغة حق القوة، لغة الحديد والنار، والترغيب والترهيب، لانتزاع مواقع السيطرة الاستراتيجية المُتقدِّمة. فيظهر اللاعبون الأصليون حيناً، ولكن المنفذون الوكلاء أحياناً أكثر. ويظهر بعضٌ من انكشاف السياسات، ولكن الكثير من "المَكْيَجَة" الفكرية التي تُعلن ما لا تُضمِر، وتُضمر ما لا تُعلن، لتمرير السياسات بالجزرة قبل العصا، وبتغيير الشكل دون المضمون.
لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء لفهم أكبر لواقع اليوم. فمِن الثابت منذ أوباما، الذي أطلق في خطاب القاهرة في 4 حزيران 2008 انفتاحه الشهير على الإسلام السياسي، وقوله إن حرب العراق كانت غبيّة، أن أميركا لا تريد قلب النظام في إيران لأسباب تتعلق بجيوسياسية وتوازنات الموزاييك الإثنية لدول شرق آسيا الوسطى وكلها دول تركمانية غنية، كما إيران، بالغاز والنفط. فسياسة أوباما الشرق أوسطية، كانت تقضي أولاً بزعزعة استقرار أنظمة المنطقة التقليدية وتغييرها. فكان الربيع العربي، وإطلاق يد الإسلام السياسي السني ويد العثمانية الجديدة الأردوغانية المتحالفة مع قطر لفرض منظومة الإخوان المسلمين عربياً. وكانت تقوم أيضاً على الحفاظ على النظام الإيراني الذي كان يحرك سياسته حينها، كما اليوم، الوزير ظريف، وإبرام الاتفاق النووي معه. كانت النتيجة كارثية: ثورات، فوضى، صعود القاعدة، وضرب القوى العلمانية المعارضة، هجمة أصولية، تشدّد إيراني من خلال محور الممانعة، انكفاء أميركي، تقدم روسي في سوريا، وتثبيت إيران في سوريا المحورية.
مع أميركا ترامب ينتهي عهد الانكفاء الأميركي في المنطقة. تستمر ثابتة عدم إسقاط النظام الإيراني، لا بل استمالته لإخراجه من منطق الممانعة وتكتلات البريكس. كما يحاول ترامب استمالة روسيا لتفكيك تحالفها مع الصين. هكذا سُمح بتقليم أظافر إيران الإقليمية، بواسطة أذرع المسيانية الإسرائيلية، بكيل الضربات الأليمة المفصلية لـ"حزب الله" في لبنان، دون السماح لها بالقضاء عليه. بعكس ما كانت تريده المسيانية الإسرائيلية. فالأميركي هو الذي فرض وقف إطلاق النار على إسرائيل في لبنان. والأخيرة تنتظر ربما فرصة مقبلة للتفلت منه. الثابتة الثانية، هي أن لا تقاطع مستديماً بين أميركا، التي تريد البقاء على النظام الإيراني، وإسرائيل، التي تريد إسقاطه. فهل تتفلت المِسيانية الإسرائيلية من ضابط الإيقاع الأميركي، متى وكيف؟ تقليم الاظافر تم أيضاً من خلال السماح الروسي بالتوافق الضمني مع ترامب، بإسقاط النظام في سوريا الذي كان قد سقط منذ سنوات مع وقف التنفيذ. والأثمان لروسيا سوف تظهر في أوكرانيا. أما تركيا فاستفادت من السماح الأميركي لها ولقطر بالتقدم نحو دمشق وإخراج إيران من سوريا دون معارضة روسية. هل من فتره سماح أعطيت للتركي أيضاً بعد أن يضمن ملفه الكردي؟
تقدم المِسيانية التركية أثارت قلق وخوف المِسيانية اليهودية، من إمكانية تثبيت حكم إسلامي سني أصولي متطرف على حدودها المباشرة. فبادرت إسرائيل بضرب كل مقدرات الجيش السوري العسكرية الاستراتيجية والتكتيكية لشل قدرة الفصائل الإسلامية على السيطرة عليها، ومن ثم تقدّمت إلى الموقع الاستراتيجي في جبل الشيخ مسقطة خط اتفاق الهدنة السوري الإسرائيلي لسنة 1974. أما عربياً، فالتطورات التركية في سوريا، لها أيضاً تداعيات سلبية على النظام العربي الناشئ الذي تقوده المملكة العربية السعودية. فنحن أمام بداية مجابهة بين محورين نقيضين: المحور التركي-القطري-الإخواني الذي يدعم نموذج دولة الإسلام السياسي المتشددة، والمحور العربي السني التقليدي الذي يقوده ولي العهد السعودي الشابّ ويضمّ مصر والإمارات والأردن ودول الخليج. فولي العهد الملكي الذي يقود في المملكة التحوّل الاستراتيجي في الخِطاب الديني لمُحاربة كل أنواع التطرُّف الديني وللتحَوُّل نحو إسلام وسَطي مُعتدل يَتمَاشى مع حداثة عالم اليوم، يقبل بالمواطنة والتنوّع وسياسة تنمية دور المرأة والثقافة، والعلم، والتقدم، والفن، لن يقبل بنموذج العثمانية الجديدة في سوريا.
ما المطلوب اليوم لبنانياً لإنقاذ لبنان؟ أولاً أن يفهم الجميع ضرورة نأي لبنان عن تصارع المسيانيات التي هي بجوهرها نقيض للنموذج اللبناني، وعدم إعطائها أيّ ذريعة لضرب لبنان مجدداً والتدخل بشؤونه. غريب أمر بعض القيادات التي تدافع عن اتفاق الطائف، وتسارع لدعم السلطة الجديدة في الشام، نقيض نموذج الطائف، والبعيدة عن خيارات عراب الطائف، المملكة العربية السعودية. ثانياً، تثبيت الطائف كعقد دستوري سياسي أساسي مما لا يمنع تحديثه وتطويره. ثالثاً، تطبيق القرار 1701 دون أي إبطاء لعدم إعطاء أيّ ذريعة للمِسيانية الإسرائيلية للخروج منه والتفلت من المظلة الأميركية والدولية التي تحمي لبنان اليوم من خلاله. رابعاً، ضرورة طمأنة الشيعة في لبنان بأنهم مكوّن أساسي وإعادة لمّ الشمل الوطني بين كل المكوّنات، وإعادة الإعمار وعبور الجميع إلى دولة المواطنة والدستور والمؤسسات والعودة إلى الحضن العربي المعتدل والابتعاد عن المغامرات الخطرة والمتطرفة. خامساً، انتخاب رئيس مُقتدر أثبت جدارته في إدارة الأزمات له مصداقية عربية ودولية ومستقيم. المطلوب اليوم أن نعبر بلبنان في الممر الضيق، لنعيده نموذجاً سيداً وشامخاً.
نبض