.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لم يصدق السوريون بعد أن الشمس تشرق عليهم من دون وجود البعث ولا رؤية آل الأسد في السلطة بعدما تحكموا في مفاصل الدولة ومفاتيحها طوال 54 عاما. وتُلقى كل الأعباء اليوم على السلطة الجديدة التي لم تصدق بدورها أنها مسؤولة عن دولة مفككة في الداخل وعن الملايين من لاجئيها في أربع رياح الأرض، ولبنان أولى الدول التي تعاني هذا العبء. ينتظر سوريا امتحان صعب إذا نجحت في مادة بناء دولة تنجو من الفوضى المفتوحة.
عند عبور الزائر اللبناني بوابة دمشق من جهة المصنع، تظهر علامات الحزن على أقدم عاصمة عربية، ولا يخفي أهلها والمحافظات الأخرى الترحيب برحيل بشار الأسد وتسلم "هيئة تحرير الشام" مفاتيح السلطة، ولو برعاية تركية واضحة المعالم وأصابع أميركية غير بعيدة من الأنظار كانت وراء هذ الزلزال السوري. قبل الوصول إلى قصر الشعب، تشاهد أكثر من نقطة عسكرية خالية من الجنود ولا تزال جدرانها حاملة شعارات تمجد الأسد وعلم الدولة السابقة. لا عناصر شرطة لتنظيم السير، وينتظرك حاجز عند مدخل العاصمة يشغله ملتحون أتوا من الأرياف. وعلى جانبي الطريق مئات المواطنين يشترون حاجاتهم وسط جو مناخي عاصف، ويُلاحَظ "فوز" كثيرين منهم بالحصول على ربطات خبز من الأفران التي أصبحت تعمل بطريقة منتظمة بعد توافر مادة الطحين. وتبدو على جدران المباني طبقات من الغبار الكثيف، ولا يظهر السكان على شرفاتهم، وهم يختزنون حكايات عن معاناة أسر فقدت أحبة لها، ومَن سَلِمت من هذه الحرب كان نصيبها التشرد والهرب من بطش النظام ومن جماعات إرهابية جاء بعض روادها من الصين.
على الطريق إلى دمشق، وداخل أحيائها، مئات السيارات تركها أصحابها منخورة بالرصاص.
ويخرج عشرات المصلين من كنيسة القديس بطرس قبل بلوغ الطريق المؤدية إلى قصر الشعب. لا يزال تمثال حافظ الأسد في باحة الكنيسة من دون أن يلقى بعد مصير تماثيل ونصب أخرى تكسيرا وركلا. ويسأل زائر سوريا هنا: لماذا كل هذه التماثيل في الساحات والمدارس والجامعات وكل مؤسسات الدولة؟ ماذا نفعت؟ وبمَ خدمت أصحابها في "جمهورية الجماجم"؟
عند مدخل القصر الذي كان يحمل اسم الشعب، الممنوع على أفراده استراق النظر إليه بفعل مراقبة الأمنيين، يستقبلك عشرات عناصر "هيئة التحرير" بثيابهم المرقطة، وتظهر عليهم علامات الميليشيا. وعند البوابة الرئيسية للقصر ينتظرك شبان مقنّعون يرتدون بزات أميركية سوداء ويحملون بنادق "إم 16" والكلاشنيكوف الروسي. عند دخول السيارة، وفي أقل من دقيقتين، تنتقل إلى مشهد آخر: دونمات مترامية مغروسة أشجارا مع مساحات لا بأس بها من الأزهار والورود، توصلك عبر شارع واسع إلى باحة كبيرة عند مدخل القصر، حيث نافورة المياه على درج المدخل وباحته الرئيسية وقاعاته ومكاتبه مفروشة بالسجاد الأحمر بعد نزع صور الأسد. يستقبلك شبان من البروتوكول لم يعتادوا بعد هذه المهمة، ولا سيما أن أكثرهم جاء من ساحات القتال قبل أسبوعين من إدلب وأرياف حلب، ويحرصون على التعامل بلباقة مع زوارهم.
في إحدى قاعات القصر تصادف "النهار" مجموعة من الفاعليات التي حضرت من إدلب إلى القصر للمرة الأولى، للقاء رئيس الإدارة الانتقالية أحمد الشرع. هؤلاء يشغلهم ما يحصل في لبنان وانعكاس المتغيرات السورية على المنطقة. ويسأل أحدهم عن مصير "حزب الله" وكيف سيكون وضعه في الانتخابات النيابية المقبلة؟
نغادر جبل قاسيون الحزين على وقع عاصفة من الأسئلة عن مستقبل دولة مفككة وما إذا كان في إمكان السلطة الجديدة إدارتها. نتجه نحو المصنع وآثار المعارك والوحول وطبقات الغبار تكسو الطرق حيث يتجمع المئات من باعة قوارير الغاز وغالونات البنزين وتنتشر عشرات النقاط العسكرية من دون وجود عناصر الجيش "الذين تبخروا" ولا تزال رشاشاتهم الثقيلة شاهد عيان، إلى صور ممزقة للأسدين وعبارات بقيت على الجدران من نوع "قائدنا إلى الأبد حافظ الأسد".
جنبلاط لـ"النهار": نعم مرتاح
يدخل النائب السابق وليد جنبلاط قصر الشعب في دمشق بخطوات بطيئة مع وفده من الجناحين الديني والسياسي، وإلى جانبه رأس المظلة الدينية للدروز شيخ العقل سامي أبي المنى. يتوجه نحو القاعة نفسها التي التقى فيها بشار الأسد ذات يوم. ويجلس على كرسيه إلى يمين رئيس الحكومة محمد البشير. لا شك في أن البك في هذه اللحظات كان يتذكر لقاءاته الطويلة مع الراحل حافظ الأسد قبل عام 2000 وما تلاها من اجتماعات أقل عدداً مع بشار. ومن غير المستغرب أن تحضر في ذهنه صورة والده الشهيد كمال جنبلاط، وقد انتظر سنوات طويلة ليشاهد الصفحة الأخيرة من كتاب آل الأسد. كان أول "الفاتحين" من السياسيين اللبنانيين إلى دمشق في عهد السلطة الجديدة، وهو لم ينس والده الذي اغتيل لقاء إيمانه بثوابته ودفعه ثمن الحفاظ على خياراته ورفضه العيش في فضاء السجن الكبير. يحضر للمرة الأولى إلى دمشق من دون رؤية أي من أفراد هذه العائلة ولا المستشارين وكبار الضباط في القصر، رغم حفاظه على صداقات عدد منهم إلى حين وفاتهم. يودّع جنبلاط وهو يقول ردا على سؤال لـ"النهار" هل هو مرتاح إلى هذه الزيارة؟: "نعم مرتاح في دمشق الجديدة. وأنت شو رأيك؟"