نحن وآذار 2005... والأحلام الشابة

لبنان 14-03-2025 | 07:20
نحن وآذار 2005... والأحلام الشابة
في 14 آذار كنّا نستعد لشيء كبير وضخم لم نكن نعلم أفقه ولا تبعاته
نحن وآذار 2005... والأحلام الشابة
ساحة الشهداء في 14 آذار 2005.
Smaller Bigger

كأي شابٍ يافعٍ، يضج حيوية وطموحاً، كنت أنظر إلى مستقبلي بترقّب وإيمان لما سيحمل من أمور جميلة. في ربيع ٢٠٠٥، لم أكن وحدي في هذه الحالة من الترقّب، كان لبنان كله يعيش مخاض ولادة جديدة. كانت الساحات حناجر هاتفة، والوجوه تلمع بالحلم، وأعلام الأرز ترفرف في سماء بيروت تنديداً بالاحتلال السوري للبنان.


في تلك اللحظة، كنت أيضاً على أعتاب مرحلة جديدة، طالبا جامعيا يخطو خطواته الأولى نحو تحقيق أحلامه، وأشعر بأن انطلاقتي الشخصية تتقاطع مع انطلاقة الوطن. بدا لي أن المستقبل سيصنعه جيلنا، نحن الشباب الذين حملنا كتب الدراسة وهتفنا للحريّة في آن واحد، نحلم بالسياسة كما نحلم بحياتنا الخاصة، نؤمن بأن التغيير ليس فقط شعاراً بل هو قدر لا مفر منه.

لكن لم أكن أعلم أن الواقع لا يصافح الأحلام دائماً، بل يصفعها أحياناً بقسوة لا ترحم. فبينما كنت أرى في ١٤ آذار ولادة جديدة، كانت هناك وجوهٌ أخرى تراها وهماً، وصراخا في الشوارع يعدّه البعض خلاصاً بينما يعتبره آخرون جنوناً. كنت أظن أن ما نشعر به جميعاً واحد، أن لبنان كله ينظر إلى الغد بعين الشباب، ولكن سرعان ما أدركت أن هذا الوطن كان، كعادته، منقسماً حتى في أحلامه.

صدمني لاحقاً هذا الإدراك، كأنني اكتشفت فجأة أن الحقيقة ليست دائماً بيضاء أو سوداء، بل خليط رماديّ يعكس تناقضات مجتمعنا. تساءلت: كيف يمكن أن تكون الحرية قضية للبعض وخطراً للبعض الآخر؟ كيف يمكن أن يكون الحلم كابوساً في نظر من يخاف التغيير؟ شعرت آنذاك للمرة الأولى بثقل السياسة على الحياة الشخصية، بأن الطريق الذي رسمته لنفسي لن يكون معبّداً بالأمل وحده، بل بالخذلان أحياناً كثيرة، والصراعات وأسئلة بلا أجوبة.

ولكن رغم ذلك، لم أتراجع. ربما كان ذلك الإدراك صدمة، لكنه أيضاً كان درساً. أدركت أن لبنان لا يمنح أحلاماً جاهزة، بل يفرض علينا أن نناضل من أجلها. وأن تكون شاباً في هذا البلد يعني أن تحبّه رغم جروحه، أن تحلم به رغم تشظّيه، وأن تؤمن بأنه قد يتغيّر، ولو بعد حين.

اليوم، بعد عشرين سنة، أنظر إلى ذلك اليافع وأبتسم. لم يكن ساذجاً، بل كان مؤمناً. ولم يكن مخطئاً، بل كان يحاول أن يجد مكانه في وطنٍ لا يزال يبحث عن نفسه.

كنّا نستعد لشيء كبير وضخم لم نكن نعلم أفقه ولا تبعاته، لكنّ شعوراً تغلغل إلى أعماقنا وصوت داخليّ كان يهمس لنا... سنفعلها. 

لن أنسى أحدهم، عندما قال لي بينما كنا نستعد للنزول إلى "ساحة الحريّة": "أنتم تضيعون وقتكم، لن يتغيّر شيء". لم أنسَ هذه العبارة التي شكلت تحدياً كبيراً لي. وبعد مشهد مليونيّ كنت أرغب في ملاقاة ذاك الرجل لأقول له إن الشعب اللبناني نجح في "ساحة الحريّة" في تخطي مشهديّة ساحة رياض الصلح. فكان ذلك كافياً، وأقولها صراحة، بالنسبة إلي وإلى كثيرين، أن نرى أن قلب بيروت يهتف "حريّة وسيادة واستقلال" في حشودٍ أكبر من تلك التي رأيناها في تجمّع "شكراً سوريا".
ولكن حقيقة الأمر أبعد من أفقنا المتواضع آنذاك، فقد كانت انتفاضة شعب تخطى بإرادته وعزيمته التقليد السياسي الذي كان سائداً وحساباته السلطويّة، عندها فهمنا أن الحدث أبعد من اعتبارات المشهد والصورة وتسجيل النقاط البسيطة.

أحتفظ ببعض الصوَر التي لن تفارق ذهني، أملاً باستعادة ذاك المشهد المُتصالح مع التاريخ والمُكمّل لمسار تحقيق أهداف القضية اللبنانية بمعانيها العميقة. مشهدٌ هدم الحواجز بين اللبنانيين وقدّم أحلى صورة وعنوان لـ"أي لبنان نريد"... 
سأحتفظ لنفسي بذاك الشعور وسألتقط اللحظة مجددا، ان عادت، مناضلاً يحلم بحذر بلبنانٍ جديد بدأت تردنا أولى إشاراته.