سعر القات في اليمن بلغ أرقاماً خيالية وسط طقس بارد... يومان في الأسبوع لتعاطيه ومواطنون يئنون

تحقيقات 21-01-2025 | 10:27

سعر القات في اليمن بلغ أرقاماً خيالية وسط طقس بارد... يومان في الأسبوع لتعاطيه ومواطنون يئنون

سعر القات في اليمن بلغ أرقاماً خيالية وسط طقس بارد... يومان في الأسبوع لتعاطيه ومواطنون يئنون
صورة ارشيفية- بائع قات في سوق القاع بمدينة صنعاء (31 تموز 2021- مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية).
Smaller Bigger

وسط انخفاض درجات الحرارة وموجات الصقيع في اليمن، تتأثر المحاصيل الزراعية في بلد يعاني اقتصادياً واجتماعياً منذ سنوات بسبب الحرب، لا سيما منها محصول القات المخدر الذي ارتفع سعره أخيراً أكثر من 200 بالمئة.

والقات هو نبات من فصيلة الشاي ذاتها، ينمو في المناطق المرتفعة ويوجد منه ما لا يقل عن 100 نوع، وأكثر الطرق شيوعاً لاستهلاكه هو مضغ الأوراق الطازجة عن طريق الفم في جلسات تسمى "المقيل" أو "المفرج". أما في الريف، فيمضغ المزارعون القات وهم يعملون في الحقول بغرض زيادة نشاطهم وتبديد الشعور بالجوع.

ويعد القات أهم محصول زراعي رابح تجارياً ورائج استهلاكياً في اليمن نتيجة الأموال الطائلة التي يحركها في الأسواق، والتي تصل إلى نحو 20 مليون دولار يومياً، طبقاً لدراسات اقتصادية.

وتتباين الإحصاءات بشأن نسبة متعاطي القات في اليمن. إلا أن التقارير الدولية تشير إلى أن نحو 70 بالمئة من اليمنيين البالغ تعدادهم أكثر من 35.6 مليوناً، غالبيتهم من الرجال يتعاطونه.

وذكرت تقارير رسمية حكومية سابقة أن ما يتم إنفاقه على القات، التي تعد زراعته سهلة وينمو على مدار العام، يصل إلى نحو 35 بالمئة من دخل الأسر اليمنية.

وقال مستهلكون للقات في عدن لـ"رويترز" إن بائعي هذه النبتة، التي صنفتها منظمة الصحة العالمية مخدراً، دائماً ما يستغلون الظروف السياسية والتغيرات المناخية لرفع سعر القات عند شح المنتج.

وذكروا أن أسعار بيع القات، منذ منتصف كانون الأول/ديسمبر حتى الآن، وصلت إلى "أرقام خيالية" وسجلت "مستويات قياسية" لم تشهدها البلاد منذ بدء الحرب الأهلية في 2015، مما اضطر كثيرين للتوقف عن استهلاكه.

وقال مراقب للأسواق: "رغم أن ارتفاع أسعار القات خلال فصل الشتاء أمر معتاد نتيجة الصقيع والبرد، فإن هذه المرة الأولى التي يكون فيها الارتفاع مبالغاً فيه وبأسعار خيالية وكبيرة، ما أجبر مئات من متعاطيه على العزوف عن الشراء تحت ضغط تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لغالبية الناس وتدني الأجور والرواتب".

أعباء مادية

تداول نشطاء ومتابعون على منصات التواصل الاجتماعي بشكل واسع خلال الأيام القليلة الماضية، مقطع فيديو يظهر بيع "ربطة قات" في عدن بسعر قياسي بلغ أربعة ملايين ريال يمني (نحو 1800 دولار)، وهو سعر يعتبر مرتفعاً جداً بالنسبة الى المستوى الاقتصادي للمدينة الساحلية، ما أثار استياء بعض المواطنين واستغرابهم في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وقال مستهلكون للقات إن ارتفاع تكلفة المعيشة التي فاقمها ارتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات، جعلهم غير قادرين على مواجهة الصعوبات المعيشية مع قلة الأجور وأجبرهم على إعادة التفكير في العادة اليومية المفضلة لدى اليمنيين.

وقال خالد محمد ناجي (55 عاماً) الذي يعمل موظفاً حكومياً في عدن: "هذه الأيام مع ارتفاع تكلفة المعيشة، تمت إعادة النظر في موضوع القات والأشياء الأخرى غير الضرورية. ومع ارتفاع أسعار القات، تم تحديد يومين في الأسبوع لتعاطيه بدلاً من كل أيام الأسبوع كي نستطيع توفير حياة كريمة لنا ولأولادنا".

ويتفق معه في الرأي أسامة الخضر (40 عاماً) الذي يعمل عنصر أمن في عدن، إذ قال لـ"رويترز": "هذه الأيام مع غلاء الأسعار في شكل جنوني لكل شيء، منها القات، فضلنا تناوله يوماً واحداً في الأسبوع، لأن القدرة الشرائية لا تسمح لنا بشرائه كما كان في السابق".

وأضاف إن "المواطن يئن ويعاني من الفقر والجوع والعوز وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية وتدني سعر صرف العملة المحلية بعدما وصل سعر صرف الدولار اليوم إلى 2160 ريالا".

ويبرر تجار القات ارتفاع الأسعار أخيراً بقلة الإنتاج وتأثر المحصول بالطقس البارد، بخاصة في المناطق الجبلية.

وقال بائع القات يوسف علي حسين لـ"رويترز" إن "ارتفاع الأسعار ليس من البائعين في عدن. فنحن نشتري القات ممن يجلبه من محافظة الضالع شمال عدن ونبيعه مع تحقيق ربح معقول".

وأضاف: "مع اشتداد الصقيع هذا العام، رفع من يجلب القات سعره بشكل كبير لم نعهده من قبل، مما تسبب بانخفاض الطلب عليه بعد امتناع كثيرين عن شرائه".

ويصل متوسط قيمة ما يشتريه المواطن اليمني من القات إلى نحو خمسة آلاف ريال يمني (دولاران)، فيما يبلغ نوع القات الجيد إلى الممتاز ما بين (15 دولاراً و30 و40 دولاراً).

وتعد الضالع المصدر الرئيسي لإنتاج القات الذي يزرع بكثرة فيها وينتقل منها إلى عدن ومعظم محافظات الجنوب اليمني، فضلاً عن جلبه إلى أسواقه من مناطق الشمال الأكثر إنتاجاً له.

خسائر فادحة

مثلما يشكو المستهلكون والبائعون من شح محصول القات وارتفاع أسعاره، يقول مزارعون أيضاً إنهم يتكبدون خسائر كبيرة بسبب موجة الصقيع التي تمر بها البلاد وتستمر حتى نهاية الشهر الجاري، بحسب توقعات خبراء الأرصاد الجوية.

وقال مزارعون في محافظتي الضالع الجنوبية وذمار الشمالية إن أوراق القات تضررت كثيراً جراء الصقيع، مما تسبب بخسائر كبيرة لهم، بخاصة مع انعدام وسائل مواجهة الطقس السيئ واتباعهم طرقاً متعددة لمحاولة تدفئة الحرارة في مزارعهم خلال الليالي الأشد برودة.

وقال المزارع فارس مسعد من منطقة شكع في الضالع لـ"رويترز" إن البرد الشديد هذا العام تسبب بما يسميه السكان المحليون "ضريب"، وهو كلمة عامية تعني تلف المحاصيل الزراعية والقات وفسادها.

وأضاف أن هناك أسبابا أخرى تسببت بارتفاع أسعار القات، إلى جانب الصقيع، منها ارتفاع سعر الديزل، والذي أدى إلى زيادة الأعباء على أصحاب المزارع نتيجة ارتفاع تكلفة النقل، وأسعار الأسمدة والمبيدات التي يأتي معظمها من الخارج.

ويعمل مزارعو القات على إشعال النار والشموع داخل مزارع القات لحمايتها من انخفاض درجات الحرارة.

ويقول الصحافي المتخصص بالشؤون الاقتصادية ماجد الداعري لـ"رويترز" إن ارتفاع أسعار القات خلال أشهر الشتاء أمر معتاد لجملة من الأسباب الطبيعية.

وأضاف أن المزارعين "يرفعون الأسعار لتعويض خسائرهم من موردي القات بالجملة، قبل أن يقوم الموردون بدورهم بتعويض ما دفعوه للمزارعين برفع سعر القات على المستهلك النهائي".

العلامات الدالة