"النهار" في بلوشستان على خطى الانتحاريات... حب وابتزاز وجنس وأحزمة ناسفة!
"نعم، تعرضتُ لاغتصاب من أشخاص عدة وجرى تصويري وابتزازي وتعذيبي "... ترددت عديلة كثيراً قبل أن تروي قصتها، لا بل مأساتها، وكيف وقعت ضحية شخص كان زميلاً لها في معهد التمريض أوهمها بحبه لها واستغلها وهددها بنشر مقاطع لهما على مواقع التواصل الاجتماعي، إذا لم تنفذ عملية انتحارية ضد القوات الحكومية.
قررت عديلة كشف قصتها لـ"النهار" لتنبه فتيات مسقط رأسها في بلوشستان بباكستان إلى الأفخاخ التي تنصب لهن في ذلك الإقليم الفقير على الرغم من غناه بالموارد الطبيعية من غاز ومعادن.
ويشهد إقليم بلوشستان جنوب غرب باكستان اضطرابات وأعمالاً إرهابية منذ عام 2004 يقودها "جيش تحرير بلوشستان"، الهادف إلى الانفصال عن باكستان. وهو يعتبر أكبر إقليم في البلاد من حيث المساحة ويعد 10 ملايين نسمة، فضلاً عن أنه غني بالموارد الطبيعية.
اتخذ الصراع الطويل بين الإرهابيين والحكومة الباكستانية أشكالا عديدة، أخطرها تنفيذ العمليات الانتحارية والتفجيرات في بعض المناطق من بلوشستان وكراتشي و جوادر وغيرها، بلغت ذروتها عام 2022 بضم النساء إلى صفوف الانتحاريات، لأن اعتمادهن لهذه المهمات أسهل في المناطق الأمنية بسبب عدم خضوعهن للتفتيش الدقيق.
أول انتحارية كانت شاري بالوش، وكانت في مطلع العشرينيات من عمرها. ومذّاك، شاركت فتيات في ثلاث عمليات انتحارية، بينهن من حالفها الحظ ونجت في اللحظة الأخيرة، تماماً كالشابة عديلة بالوش التي تبلغ اليوم 24 سنة والتي سلمت نفسها الى القوى الأمنية قبل ساعات من تفجير نفسها في "تربت- بلوشستان".
عديلة: نعم تمّ اغتصابي جماعياً وتهديدي بالمقاطع
في تحقيق مصور خاص بين كراتشي وبلوشستان، التقت "النهار" عديلة وعائلتها بعد شهرين من عودتها سالمة، وخضوعها للتحقيقات لدى الشرطة التي خصّصت لها حماية ووضعتها في مكان آمن بعيد تماماً عن بلوشستان خشية الانتقام منها.
الشابة التي تعمل ممرضة داخل مستشفى في بلدتها تربت، شاركت في حملات طبّية مع منظمة الصحة العالمية في منطقتها، وهي تجيد اللغة الإنكليزية بطلاقة، وهذا أمر نادر في مجتمع بسيط من الصعب أصلاً ان تصل الفتاة فيه إلى مراحل تعليمية متقدمة، كانت ستقتل أبرياء بدلاً من إنقاذ أرواحهم، كما تقول لـ"النهار".
"في آواخر أيلول (سبتمبر) الماضي، كان عليّ تنفيذ عمل انتحاري في المستشفى الذي أعمل فيه. لكن قبل الساعة صفر ، تراجعت وسلمت نفسي للشرطة... لم أرغب في قتل أبرياء. ما حصل معي كان مخيفاً جداً. تعرضت لابتزاز عاطفي وجنسي ومشقة في الجبال الوعرة في الإقليم".
غالباً ما تجري تعبئة الشباب والشابات في بلوشستان للانضمام الى صفوف الانفصاليين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكن المشكلة تتخذ شكلاً أكثر بشاعة عندما يوهم هؤلاء الفتيات بالحب ثم يستدرجونهن إلى علاقات جنسية ويتم تصويرهن وابتزازهن بتلك الصور لتنفيذ العمل الانتحاري. هذا ما يقوله الناشط الاجتماعي وعلى مواقع التواصل في تربت (أكثر منطقة تستغل فيها النساء لهذا الهدف) عبد الرحمن عزيز.
يضيف: "هناك وسيلتان لابتزاز الضحية، الأولى عبر منصات التواصل مثل تلغرام ورامبل حيث يقومون بخلق غرف للدردشة ويبثون أفكارهم بضرورة محاربة الحكومة، وتبدأ عملية غسل الدماغ ويلتحق بهم الشباب والشابات. والوسيلة الأخرى خاصة ومختلفة لاستدراج الفتيات إلى هذا العالم أثناء وجود الطلاب في الجامعات والمعاهد. يقوم الإرهابيون بابتزاز الناس. باستخدام بطاقات هوية مزورة، يحاولون في البداية بناء صداقات، وعندما تقع المرأة في فخهم يجري ابتزازها وإجبارها على تنفيذ رغباتهم".
يعتبر عزيز أن عديلة محظوظة. فقد نجت من تفجير نفسها، لكنها أيضاً تعرضت لابتزاز جنسي أجبرها على سلوك هذا المسار، الجنس موضوع لا تسامح أو تساهل فيه في مجتمع محافظ جداً، فالفتاة التي تقوم بعلاقة جنسية غير شرعية مصيرها القتل وغير ذلك هي تجلب العار لعائلتها مدى العمر. لذا تختار أن تنهي حياتها عبر عملية انتحارية كي تطهّر نفسها وفق ما يمليه عليها "المجاهدون".
ترددت عديلة كثيراً في شرح تفاصيل علاقتها بشاب كانت بينهما علاقة عاطفية، وهو من الارهابيين، لأن هذا الأمر سيكلفها الكثير لاحقاً. لكنها عادت وقالت بخجل وقلق: "هو كان زميلاً لي في معهد التمريض، ونشأت بيننا علاقة عاطفية، لكنه استغلني وتحرّش بي جنسياً وقام بتصويري وابتزازي وهددني بأنه سينشر هذه المقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي إذا لم أنصع لأمره، وكان الخيار الأخير هو الحل".

عديلة بالوش (إلى اليمين) مع والدتها.
في بادئ الأمر كانت عديلة تحاول الهرب من عبارة "اغتصاب جماعي"، إذ ليس سهلاً على فتاة تعيش في الغرب أن تخبر ملايين الناس عبر الإعلام أنها عاشت هذه المرحلة الصعبة، فكيف بفتاة في مجتمع محافظ وصارم؟ لكنها بعد حين، تجرأت قائلة: "نعم تعرضت لاغتصاب من أشخاص عدة وجرى تصويري، وأقول ذلك كي أنبه كل فتاة بألا تقع في شرك أي شخص يحاول ابتزازها عاطفياً ويغسل دماغها لتصبح مشروع قاتلة، لأن الحياة وحلة ومقرفة، على الفتاة أن تتعلم وتحقق ذاتها وتبني عائلة بدلاً من سلوك نفق مظلم".
كانت مهمة المسلحين بعد الإيقاع بعديلة وتصويرها وابتزازها، نقلها إلى خارج منطقة تربت نحو الجبال الوعرة حيث يتمركز "المجاهدون" وفق تعبيرهم، ومن ثم تحضيرها للمرحلة التالية وهي تدريبها على ارتداء الحزام الناسف وطريقة السير والتخطيط للعملية المقبلة.
وتقول إن شخصاً اسمه طلال ياسين كان يحضّرها لعملية على حدود إيران المتاخمة للإقليم، لكنه عاد وأوكل إليها مهمة داخل تربت. ولكن قبل ساعات قليلة، كشفت القوات الامنية هذا المخطط، وسهلت عديلة التي تفتقر تماماً إلى خبرات العمل الانتحاري، مهمة الشرطة لأنها لم تكن ضمناً تريد الموت بهذه الطريقة.
مهال المحامية وابنة العائلة المثقفة انتهت "إرهابية"
قبل إحباط هذه العملية التي كادت أن تودي بأكثر من مئة شخص، نفذت فتاة من المنطقة نفسها اسمها مهال بخاش (21 سنة) عملية انتحارية في 26 آب (أغسطس)، بعدما أعلنت حكومة بلوشستان عن وقوع حوادث عنف عدة.
تنتمي مهال الى عائلة مثقفة وأفراد منها يتبوؤون مناصب مهمة، وهي كانت تدرس الحقوق، ليتبين أنها هي أيضاً تعرضت لابتزاز جنسي.
ويحاول والدها خودة بخاش الذي يشغل منصب رئيس مجلس اتحاد مدينة سوربندار (في بلوشستان) خلال حديثه مع "النهار"، أن يتظاهر بأنه لا يهتم لأمرها وأنه لا يشتاق إليها، لكن حبس دموعه يؤكد أن ما يدفنه من حزن في قلبه سيظهر بأي طريقة، وهو الذي لم يحصل على أشلاء إبنته التي بقيت متناثرة في موقع التفجير.

خودة بخاش، والد مهال، خلال حديثه إلى "النهار"
"كانت تدرس في جامعة تربت للحصول على إجازة في الحقوق، كانت في الفصل الثامن ولم يتبقَّ لها إلا فصلان. ذهبت إلى مدينة كويتا خلال العطلة الصيفية في حزيران (يونيو) الماضي لإجراء تدريبات طلبتها الجامعة. كانت علاقتنا معها ممتازة. مثقفة جداً وواعية... لا أصدق أن هذا حصل".
يتلعثم الوالد رغم مكابرته، ويقول: "من كويتا بقيت على اتصال بنا طوال يومين أو ثلاثة، ثم أبلغتنا أنها عائدة إلى سورباندار لأن فصول الدراسة بدأت. وصلت إلى هنا في 20 آب (أغسطس)، اعتقدت أنها ستذهب مباشرة إلى جامعتها لكنها توجهت إلى المنزل، وكانت بخير تماماً، ولم تبد عليها أي علامات توتر أو قلق إطلاقاً. كان يوم الجمعة 23 آب (أغسطس) حين أوصلتها ابنة أخي وبعد وصولها أرسلت لي رسالة قرابة الساعة 4.45 مساءً مطمئنة إلى أنها بسلام".
كانت مهال تخطط للعملية بهدوء، وكل من شاهدها قبل رحلتها إلى الموت لم يلاحظ عليها أي ارتباك، بل كانت تمازح الجميع وأكلت معهم وأخبرت والدها في رسالتها أن شاشة هاتفها لا تعمل لذا لا يقلق عليها في حال تأخرت بالرد عليهم، وأنها ستصلحها بعد 4 أيام خلال عطلتها الجامعية. وأضاف: "كنا في توتر شديد لمدة 3 أيام، ولم نكن نعرف إلى أين ذهبت. ثم في يوم 23، قرابة الساعة 4.30 مساءً، وردني اتصال يقولون لي فيه ابنتك انتحرت في أوبيلا قامت بتفجير نفسها وقتلت آخرين، لا أذكر ماذا حصل بعدها لي ولا أريد ذلك".
يردف بخاش الذي يفتخر بأنه رجل متعلم يتحدر من عائلة أفرادها يتولون مناصب ومتعلمون: "لقد فقدت ابنتي. كان مخططي هو أن تحصل على تعليم جيد. ولهذا السبب أرسلتها إلى هناك لتتعلم".

ثلاثة أشهر من الصدمة والصمت
تتلقى عديلة بالوش حالياً العلاج النفسي مع اختصاصية برتبة ضابط في الجيش الباكستاني تدعى فايزة ظفران في مدينة كراتشي. ظفران شرحت لـ"النهار" تطورات حالتها قائلة: "حين التقيت عديلة كانت مصابة بتروما في مرحلة متقدمة، عملت طوال 3 أشهر لإخراجها من الصدمة والانهيار العصبي, كان سبب صمتها الطويل وحبس مشاعرها أنها شعرت بالعار مما فعلته وكانت خائفة جداً من أهلها وجيرانها، نقلت إلى خارج الإقليم وهي في مكان آمن وأستمر في متابعة حالتها".
تبدو عديلة اليوم أكثر تماسكاً وقوة بعد رحلة العلاج النفسي، وأظهرت وفق معالِجتها تجاوباً ملحوظاً خصوصاً مع الغرباء بعد خروجها من حالة رهاب المجتمع والرهاب من كل شيء، وهي تخطط لمواصلة تحصيلها الأكاديمي في التمريض ومزاولة المهنة مجدداً، وهو هدفها الأساسي قبل أن تفكر في تأسيس عائلة.
تستغل النساء أكثر في العمليات الانتحارية لسهولة دخولهن أماكن محددة من دون تفتيش دقيق، بسبب العادات والتقاليد الصارمة التي تمنع التلامس بين الجنسين، وتعمل حكومة باكستان على تعزيز دور النساء في الشرطة من أجل هذا الهدف.


في المنطقة المحظورة أمنياً في تربت- بلوشستان (النهار)
الحكومة تتعاون مع من يسلم نفسه
في مدينة كراتشي التي شهدت أعمالاً تخريبية عدة، التقينا رئيس مكتب أمن الدولة في المنطقة الجنرال راجا عمر الخطاب الذي أخبرنا عن وسائل أخرى لتجنيد الانتحاريين. وقال: "هناك منظمة طالبية ذات وجه سياسي تدعى "بي أس آزاد بلوش"، ما تفعله هو مراقبة الطلاب داخل الجامعات للتعرف على المشكلات التي يعانون منها وحالتهم النفسية، ثم يتحققون مما إذا كان الشخص قومياً أو غير قومي، وبعد ذلك يحللون أوضاعهم النفسية عبر آليات خاصة بهم. بدورنا لدينا مصادرنا الخاصة بحيث نراقب الأشخاص للتأكد مما إذا كان شخص ما متطرفاً أم لا؟ وفي حال تأكدنا من قابلية الشخص للانجرار وراءهم فلدينا القدرة على منعه ونقدم له كل الدعم الحكومي للتراجع ، ولكن في حالات أخرى يصعب علينا معرفة الأمر بسهولة ويكون الشخص قد انخرط معهم".

رئيس مكتب أمن الدولة في كراتشي الجنرال راجا الخطاب (النهار)
مثل أي طريق يسلكها المرء في حياته، قد يعود ويندم على ما فعله ويريد أن يسلم نفسه، لكن البعض قد يتردد. ويطمئن الجنرال خطّاب إلى أن "الجهات الأمنية والقضائية لا تقف في وجه شخص سلم نفسه قبل أن يتورط في أي عملية، على العكس هذه الأجهزة تسعى لحمايته. فنحن نقوم بإشراكه في برامج مثل حماية الشهود وهو برنامج تأهيلي لكي يعود هذا المواطن ويتأقلم مع الدولة ويعيش حياة نظيفة".
ويضيف: "يجري دمجهم مرة أخرى في نظام الدولة، ومساعدتهم على الابتعاد عن التطرف والعيش حياة طبيعية".
الأجهزة الأمنية في باكستان لديها تصنيفات خاصة تميز فيها أنواع سالكي طرق الإرهاب، وهي كالآتي: الأبيض والرمادي والأسود. فمن بين الطلاب الذين يتم تجنيدهم، هناك الفئة البيضاء التي تكون لديها سهولة في التجاوب مع التطرف، والرمادي أسهل في التراجع وتسليم نفسه، لكن نسبة قليلة منهم بنحو 2 في المئة يتحولون من الرمادي إلى الخانة السوداء أي يسلكون طريق الإرهاب.
لا معطيات وبيانات رسمية دقيقة لدى جهاز أمن الدولة حول عدد الملتحقين بصفوف الإرهابيين أو من كانوا يحاولون الانتساب إليهم، لكن وفق الجنرال خطاب، فإن معظمهم من طلاب الجامعات (ذكوراً وإناثاً) يتحدرون من كراتشي والبنجاب وغالباً من قومية البلوش الذين يدرسون في الجامعات. "إن عملية التطرف مستمرة ولا يمكن حسابها بدقة، والجهات الإرهابية تستفيد من الوضع المالي والعقلي والجنسي لهؤلاء، وفي أول فرصة يعزلونهم عن المجتمع الخاص بهم وتبدأ عملية غسل الدماغ، وفي حالات أخرى يلجؤون الى منصة Azad لاختيار الأفراد".
وتجدر الإشارة إلى أن آخر عملية تفجير ضخمة وقعت في 12 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي في محطة للسكك الحديد في منطقة كويتا في إقليم بلوشستان (صودف وجود "النهار" قرب تلك المنطقة في إطار الإعداد لهذا التحقيق)، وأسفرت عن مقتل 26 شخصاً على الأقل بينهم 14 جندياً وإصابة العشرات. ووقع الانفجار أثناء انتظار الركاب على رصيف في عاصمة الإقليم الذي يقع على الحدود مع أفغانستان وإيران.
نبض