بوتين في الصين بعد لقاء ترامب... رسائل المكان والزمان
أنهى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قمّته الشهيرة مع نظيره الأميركي دونالد ترامب، ولم يعد أدراجه إلى روسيا فحسب، بل إلى المحور الشرقي المواجه للولايات المتحدة ومعها الغرب، واتجه مباشرةً في أول زيارة خارجية له منذ قمّة ألاسكا لتيانجين شمالي الصين، حيث سيحضر قمّة "منظمة شنغهاي للتعاون"، ومن ثم استعراضاً عسكرياً ضخماً في بكين.
تنطلق أهمية القمّة في كونها تجمع قادة الصين وروسيا والهند وكوريا الشمالية وإيران وتركيا. ولئن كانت الاختلافات موجودة بين توجهات الكثير من القوى المذكورة، كبكين ونيودلهي وطهران وأنقرة، إلّا أن ما يجمعها هو سعيها لتغيير النظام العالمي الذي تقوده واشنطن، ورفضها لبعض السياسات الأميركية، خصوصاً الضريبية منها، والتي أثّرت على الاقتصاد العالمي.
تعلّق صحيفة "نيويورك تايمز" على قمّة تيانجين وعرض بكين العسكري، وترى فيهما "محاولة" من الرئيس الصيني شي جينبينغ "تحويل التاريخ والديبلوماسية والقوة العسكرية إلى أدوات لإعادة تشكيل النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة"، وهو واقع يتجانس مع ما ردده بوتين مراراً منذ تصاعد التوتر مع الغرب وبدء الحرب الأوكرانية.
رسائل إلى واشنطن
وارف قميحة، رئيس "معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث"، يقرأ في حضور بوتين القمّة "متانة" للتحالف الروسي – الصيني "بوجه الضغوط الغربية والعقوبات"، ويوافق على سردية تغيير النظام الإقليمي، مشيراً إلى أن موسكو وبكين تتحركان لترسيخ نظام عالمي متعدد الأقطاب. ويرى في "الجنوب العالمي"، أو الاتجاه الشرقي، "قوة صاعدة لا يمكن تجاوزها".

اللافت كان تزامن زيارة بوتين للصين بعد لقاء ترامب في ألاسكا. والملاحظة العامة للمشهد كانت مفاوضة روسيا الولايات المتحدة، ولكن من منطلق موقعها الشرقي وتحالفها القوي مع الصين، وهو موقع يمنح بوتين قوة تفاوضية، خصوصاً أن ملفات الاقتصاد والطاقة ستكون حاضرة خلال اجتماعات بوتين مع نظرائه، وهي ورقة بوجه ورقة العقوبات.
خلال حديثه لـ"النهار"، يقول قميحة إن بوتين أراد تأكيد "خياراته الاستراتيجية الثابتة"، وبعث إشارة مفادها أن "التوجه شرقاً ليس تكتيكاً موقتاً بل مسار استراتيجي طويل الأمد"، ويشير إلى رسالة من المفترض أن تلتقطها واشنطن، مضمونها اعتبار بوتين أن أي تقارب روسي – أميركي لن يغيّر من عمق العلاقة الصينية – الروسية.
ثمّة قناعة تتشكّل بين أوساط عدد من الباحثين والمحللين مفادها أن سياسات ترامب تدفع حلفاء الولايات المتحدة وخصومها إلى إيجاد بدائل من العلاقة المضطربة، فالسياسات الضريبية دفعت بالفيل الهندي نحو التنين الصيني. ووفق المشهد العام، ثمّة خيوط شبكة اقتصادية تجارية تحاك بين دول "منظمة شنغهاي للتعاون"، وحتى "بريكس" وغيرها من الائتلافات الشرقية والجنوبية.
تحالف شبيه بـ"الناتو"؟
العرض العسكري الذي تقيمه الصين ضخم. ووفق التقارير، فإن سلاحاً استثنائياً سيعرض، وقد يكون رسائل لتايوان ومن خلفها الغرب، لكن حضور زعماء روسيا وكوريا الشمالية وغيرهم يفتح الباب على احتمالات تشكيل تحالفات دفاعية مشابهة لحلف "الناتو"، في ظل تصاعد مخاطر المواجهات العسكرية مع الحرب الإسرائيلية – الإيرانية والروسية – الأوكرانية قبلها.
لكن قميحة لا يرى "حلفاً عسكرياً تقليدياً" على غرار "الناتو"، بل توسيعاً للتنسيق الأمني من خلال "تدريبات مشتركة وتبادل استخباراتي وتعزيز القدرات الردعية". ولئن كانت الصين ترى في التحالف الشرقي "بديلاً للسيطرة الغربية"، فإنها "لا تسعى" إلى مواجهة مباشرة أو تحالفات عسكرية صريحة، بل قوّة وتوازن في النظام الدولي.
في المحصلة، رسائل بوتين وشي متعدّدة الاتجاهات، وما هو مؤكّد أنها خطوة جدّية باتجاه محاولة إحداث توازن أكثر بين الشرق والغرب، خصوصاً أن سياسات ترامب الضريبية تشكّل عزلاً نسبياً للولايات المتحدة وانفتاحاً أوسع لدول الشرق والجنوب التي تسعى لإيجاد أسواق بديلة، وبالتالي الأنظار نحو أفق التعاون السياسي والاقتصادي والدفاعي الشرقي والجنوبي.
نبض