"عبور القناة"... صراع صيني أميركي بارد في بنما

"عبور القناة"... صراع صيني أميركي بارد في بنما
عبور إحدى السفن لقناة بنما (أ ف ب)
Smaller Bigger

تُظهر بيانات المنظمة البحرية الدولية أن 90 في المئة من البضائع المتداولة عالمياً يتم شحنها عن طريق البحار. هذا الرقم وحده كفيل للدلالة على أن الحفاظ على حركة الممرات المائية أو المضائق هي مسألة تتعلق بالأمن الاقتصادي العالمي، وأي اضطراب يصيب إحداها يعني تلقائياً أن مردّه يعود إلى توتر جيوسياسي إقليمي أو دولي.

 

قناة بنما هي إحدى هذه الممرات الاستراتيجية في العالم، تربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ، وما يقرب من ألفين ميناء في 170 دولة. وفي نهاية الأسبوع الماضي، أبدى الرئيس الأميركي المنتخب دونالد نرامب سخطه مما وصفه بـ"الرسوم غير العادلة المفروضة على السفن الأميركية" التي تمر عبر القناة، وهدد بالمطالبة "بإعادة السيطرة" على هذا الممر المائي إلى واشنطن. وأشار على منصته "تروث سوشال" بطريقة غير مباشرة إلى نفوذ الصين المتنامي حول القناة وقال: "إدارة القناة تركت لبنما وحدها، وليس للصين أو لأي جهة أخرى. لم ولن ندعها تقع في الأيدي الخطأ أبداً"، وأضاف في المنشور عينه أنه "يتم التعامل مع قواتنا البحرية وتجارتنا بطريقة غير عادلة... الرسوم التي تفرضها بنما سخيفة، هذا النهب لبلدنا سيتوقف فوراً".

الردّ لم يتأخر، إذ رفض رئيس بنما خوسيه راوول مولينو، تهديد ترامب باستعادة السيطرة على القناة، وقال في مقطع فيديو على منصة أكس إن "القناة لا تسيطر عليها الصين أو المجموعة الأوروبية أو الولايات المتحدة أو أي قوة أخرى، لا بشكل مباشر ولا بشكل غير مباشر. وبصفتي بنميّا، أرفض بشدة أي تعبير يشوه هذه الحقيقة".

ومن دون أن يذكر ترامب بالإسم، أضاف الرئيس البنمي أن "سيادة بلدنا واستقلاله أمر غير قابل للتفاوض... كل متر مربع من قناة بنما والمناطق المتاخمة لها هو ملك لبنما وسيظل تابعاً لها".

الأمر لم يتوقف هنا، بل نظمّت نقابة البناء ومنظمات يسارية أخرى، تظاهرات أمام سفارة الولايات المتحدة في بنما رفضاً لتصريحات الرئيس الأميركي.

 

القناة والجفاف

تعود فكرة بناء القناة في بنما إلى مطلع القرن العشرين، وكانت المنطقة حينها تحت سيطرة جمهورية كولومبيا، ومع قيام ثورة تطالب بالإنفصال تلقت دعماً من الولايات المتحدة انتهت بقيام جمهورية بنما عام 1903. ووقعت الولايات المتحدة والجمهورية المشكلة حديثاً معاهدة في العام نفسه أعطت واشنطن السيطرة على شريط من الأرض يبلغ طوله 10 أميال لبناء القناة مقابل تعويض مالي.

وخلال الحرب العالمية الثانية شكلّت القناة ممراً حاسماً لجهود الحلفاء العسكرية في المحيطين الأطلسي والهادئ، وكانت الولايات المتحدة أكملت بناء القناة عام 1914، وأعيدت إلى السلطات المحلية لتولي السيطرة الكاملة عليها عام 1999 بموجب معاهدة عام 1977 التي وقعها الرئيس الأسبق جيمي كارتر.

لكن هذه النقطة الجغرافية الاستراتيجية بقيت مسألة خلافية بين الدولتين، لاسيما وأن التكلفة البشرية لإنشاء القناة كانت مرتفعة جداً، قُدرت بنحو 5600 شخص ممن لقوا حتفهم بين عمال من بنما والولايات المتحدة.

من جهة ثانية، أثّر الجفاف المستمر منذ عام 2023 بسبب الإحتباس الحراري، على القناة بصورة كبيرة ولم يتوفر سوى القليل من مياه البحيرات التي تغذي القناة، مما أدى إلى جفاف الخزانات الأساسية وتقليص سعة القناة. ما يعني عملياً خفض أعداد السفن القادرة على المرور، ورفع أوقات الإنتظار من بضع ساعات إلى أسابيع. هذا الواقع دفع بهيئة القناة إلى رفع الرسوم على السفن بشكل كبير في السنوات الأخيرة وسط تفاقم أزمة الجفاف، مع الإشارة كذلك إلى أن تحديد رسوم المرور يتم على أساس سعة السفن ونوع البضائع وليس على أساس بلد المنشأ.

 

أقفال ميرافلوريس لقناة بنما (أ ف ب)

 

يوبيل برونزي ولكن...

وبينما تتحضر بنما للاحتفال بمرور 25 عاماً على بسط سيطرتها بالكامل على القناة في 31 من الجاري، نشر موقع شبكة "سي أن أن" أن العديد من الأشخاص المقربين من ترامب "لم يتمكنوا من تحديد أصول اهتمامه المفاجئ بالأنشطة الجارية في قناة بنما، وهو الموضوع الذي لم يتطرق إليه خلال حملته الانتخابية". ومع ذلك، أشار أحد المستشارين إلى أن "ترامب يرفع بانتظام القضايا التي يلفت انتباهه إليها أشخاص تتراوح أعمارهم من أصدقاء قدامى إلى معارف جدد إذا كان ذلك يحركه".

ونقلت عن مستشار آخر قوله "إن المخاوف بشأن معاملة الشركات الأميركية في بنما ربما ترددت في ذهن ترامب لأن التجارة هي أولوية بالنسبة له". وأن الضغط على بنما لخفض الرسوم على السفن التي تستخدم القناة "قد يساعد أيضاً في تعويض الارتفاع المتوقع في تكاليف المنتجات الناتجة عن التعريفات الجمركية التي يعتزم ترامب فرضها على السلع الأجنبية".

أمّا قناة "فوكس بيزنس" فقد نقلت عن النائب الجمهوري كارلوس جيمينيز "أنا أتعامل معه بجدية، على الرغم من أنها قد تبدو غريبة بعض الشيء. إنها تهديد مشروع لبنما".

لكن إثارة ترامب لموضوع الصين في بنما، وعدم التركيز على المتغير المناخي الذي فرض شروطاً قاسية على عمل القناة، يعود إلى أن الشركة الصينية القابضة CK Hutchison Holdings مقرها هونغ كونغ تسيطر على اثنين من الموانئ الخمسة المجاورة للقناة، كلّ على إحدى جوانب هذا الممر المائي، كما تشير صحيفة "يو أس أي توداي".

من جهة ثانية تضيف مجلة "نيوزويك" أن شركات صينية تموّل بناء جسر جديد فوق القناة "بما يزيد على مليار دولار أميركي، لكن هذا لا يعني السيطرة على عمليات القناة. ذلك أن هيئة قناة بنما، وهي وكالة حكومية مستقلة، تشرف على إدارة القناة".

وفي منشور خاص بهذه المسألة كتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي "عيد ميلاد سعيد للجميع، بما في ذلك الجنود الصينيين الرائعين، الذين يديرون قناة بنما بحب ولكن بشكل غير قانوني"، ويضيف في المنشور نفسه أن 38 ألف شخص فقدوا في خلال بناء القناة قبل 110 أعوام، وأكمل قائلاً "ومع ذلك، تواصل الولايات المتحدة استثمار مليارات الدولارات في الإصلاحات في حين لا تملك أي رأي على الإطلاق في تشغيلها".

وفي هذا السياق تقول صحيفة "واشنطن بوست" أنه في حين "لا يوجد دليل يذكر على أن الصين تسعى إلى وجود عسكري في الأميركيتين، فقد رفعت القيادة الجنوبية الرايات حول الاستثمار الصيني في البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الموانئ في المياه العميقة، والمرافق السيبرانية والفضائية التي يمكن أن يكون لها استخدام مزدوج محتمل للأنشطة التجارية والعسكرية الخبيثة".

وتضيف الصحيفة الأميركية، أن التحذيرات على مدى سنوات بشأن مخاطر الديون والاعتماد على الصين، ذهبت أدراج الرياح إلى حد كبير "حيث وجدت دول أميركا اللاتينية في بكين شريكاً اقتصادياً أكثر استعداداً وأقل تطلباً من الولايات المتحدة".


الأكثر قراءة

العالم العربي 3/11/2026 12:05:00 AM
أفيخاي أدرعي يرد على باسيل بعد تحميله إسرائيل مسؤولية الحرب
كتاب النهار 3/10/2026 5:10:00 AM
⭕ماذا نقل فنيش إلى بري تفاصيل عن مجريات الحرب وواقع الميدان؟⭕رسالة شفوية من الشيخ نعيم قاسم إلى رئيس المجلس... ما فحواها؟ وما علاقة نصرالله؟⭕هل عادت الأمور إلى مجاريها بين الحزب و"أمل"؟
اقتصاد وأعمال 3/9/2026 5:17:00 AM
يقدر شماس حاجة السوق اللبنانية اليومية بنحو 7.5 ملايين ليتر من البنزين و9 ملايين ليتر من المازوت، وهي كميات لا تزال متوافرة حتى الآن
لبنان 3/10/2026 9:10:00 AM
أسعار المحروقات تشهد ارتفاعاً كبيراً