هذه الصور ليست لمتسول أُلقي القبض عليه في البصرة وبحوزته 550 مليون دينار FactCheck#
تتداول العديد من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي صورة بمزاعم أنها لـ"متسول أُلقي القبض عليه في ساحة سعد بمحافظة البصرة جنوب العراق، وبحوزته 550 مليون دينار عراقي". إلا أن هذا الادعاء خاطئ، والصورة تعود لناشط عراقي جمع تبرعات لحالة إنسانية. FactCheck#
"النّهار" دقّقت من أجلكم
في الادّعاء المتداول، صورتان تظهر الأولى شابا جالسا وهو يمسك بمجموعة من الأوراق النقدية العراقية. والثانية تظهر الشاب نفسه جالساً على أريكة، وتبدو عليه ملامح التعب أو الارتباك. وكتب حسابات معهما (من دون تدخّل): "إلقاء القبض على متسول في البصرة بحوزته 550 مليون دينار جمعها خلال فترة خدمته في الجداوة بساحة سعد".

وقد تحقّقت "النّهار" من الادّعاء، واتّضح أنَّه غير صحيح:
1- الصورتان تعودان إلى المدوّن والنشاط العراقي عمار الحلفي، الذي جمع تبرعات مالية قدرها 53 مليون دينار عراقي، من أجل مساعدة شاب يعاني فشلا كلويا.
2- تواصلت "النهار" مع الحلفي، وأكّد بدوره حقيقة الصورتين، قائلا: "نشرت الصورة الأولى في سياق ساخر، ولكن الصفحات أخذتها ووضعت معها صورة قديمة لي، ونشرتهما على أّنّ هذا الشخص متسول ألقي القبض عليه".
وكان الحلفي نشر الصورتينفي سياق ساخر في صفحته الشخصية في الفايسبوك، في 22 نيسان 2025، وارفقهما بتعليق: "القاء القبض على عامل بناء بحوزته 800 مليون دينار".
إلّا أن العديد من الصفحات تداولتهما في سياق "القبض على متسوّل"، وقدّمت الخبر على أنَّه حقيقي، الامر الذي يعتبر تغييباً للحقيقة ويعرّض أصحاب العلاقة بالمحتوى المنشور للخطر واحتمالية الاعتقال أو التضييق الأمني.

وجمع الحلفي ورفاقه في محافظة البصرة جنوب العراق تبرعات بلغت 53 مليون دينار عراقي، لمساعدة الشاب "أحمد"، الذي يعاني فشلا كلويا، وذلك للتكافل الاجتماعي والتكاتف من أجل مساعدة المحتاجين. ونشر الحلفي في حسابه على فايسبوك فيديو أعلن فيه مع رفاقه اكتمال عملية جمع التبرعات لمساعدة أحمد، ووجهوا الشكر لكل من تبرع وساهم في إنقاذ حياة الشاب.

وحصلت "النهار" على صورة تم التقاطها خلال التجمع ذاته، الذي أعلن فيه الحلفي ورفاقه اكتمال عملية التبرع.

وقال الحلفي لـ"النهار": "أنا عمار الحلفي، ناشط مدني من محافظة البصرة، معروف بمواقفي الإنسانية تجاه حالات الأمراض المستعصية، والفشل الكلوي والكثير من الحالات التي تناشد. وقد استجاب الناس الخيرون لهذه المناشدات. من جهة أخرى، أنا ناشط في التظاهرات العراقية والدفاع عن حقوق الإنسان، وأؤدي كل الأدوار الإنسانية والسياسية، وفي الوقت ذاته أنشر فيديوهات فكاهية متنوعة. وبين فترة وأخرى، أنشر صورة للمزاح مع الأصدقاء".
وأضاف: "من جهة، من الممكن أن أكون أصبحت سبباً في عدم تعاطي الناس مع المتسولين، الذين يستخدمون التسول مهنة لاستغلال الناس. ومن جهة أخرى، لم أرَ إهانة تجاهي بقدر دفاع الناس عني، وفي أغلب الصفحات التي نشرت عني، رأيت أشخاصا يدافعون عني ويعرّفون بي كناشط كوميدي ساخر".
حين يتحوّل التكافل تهمة
في زمن تُختزل فيه الحقيقة بصورة، وتُصنع فيه الأحكام بفيديو لا يتجاوز الثواني ولا يستند الى مصدر، تبرز خطورة التضليل الإعلامي، الذي يعتمد على إخراج المحتوى من سياقه الحقيقي، بانتشار هذا الادّعاء الخاطئ في سياق مغاير تماماً للحقيقة. حقيقة ترسم صورة إيجابية بعيدة عن الادّعاء الذي يحاول تشويهها. ولا يقتصر هذا التضليل على تشويه صورة الأفراد فحسب، إنما أيضاً يضرب في عمق الثقة المجتمعية بالمبادرات الإنسانية، ويقوّض روح التضامن والتكافل، التي ما زالت تُعد من آخر ما تبقى من روابط حقيقية بين الناس.
ويعتبر اقتطاع صورة من سياقها وإعادة توظيفها ضمن رواية خاطئة من أخطر أدوات التضليل الحديثة، إذ لا يحتاج صانع الشائعة إلى اختلاق محتوى جديد، بل يكفيه التلاعب بسياق الموجود، وتقديمه للجمهور في إطار زائف، معتمداً على سرعة الانتشار والتعاطف المجتمعي، وتراجع ثقافة التحقق لدى الكثير من المستخدمين.
نبض