لبنان والسودان… حين يتحوّل الدين إلى جدار إسمنتي يسدّ الأفق
237% في السودان و195% في لبنان: أرقام تصرخ بوجه الاقتصاد.
الدين العام هو تلك الهالة السوداء التي تُثقِل كاهل بعض البلدان، فتُدخلها في دوامة قلقٍ دائم تنعكس على حياة مواطنيها، بل حتى على نظرة الدول الأخرى إليها. وبينما تتخبّط دول عالقة في هذا النفق، هناك من اختار أن يرسم رؤية واضحة لتحقيق الاستقرار، فيخفف من أعباء قد تمتد إلى أجيال لم ترتكب أخطاء الماضي.
في هذا السياق، يقول رئيس الأبحاث وتحليل الأسواق في مجموعة "إكويتي" أحمد عزام لـ"النهار": "في عالم الأرقام، ليست كل النسب سواء. هناك أرقام صامتة… وهناك أرقام تصرخ".
ويضيف: "تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2025 جاءت صرخته مدوّية: السودان في دَين يلتهم 237% من ناتجه المحلي، ولبنان يزحف خلفه عند 195%، وكلاهما غريقان يحاولان التنفّس تحت الماء. وعلى الضفة الأخرى، دول تنام مطمئنة على وسادة الفوائض: الكويت عند 12.8% فقط، والسعودية وقطر دون الـ 40%. مشهد أشبه بلوحتين متناقضتين: إحداهما مثقلة بالظلال الثقيلة، والأخرى مضاءة ببريق النفط والدولارات".
الخرطوم وبيروت: الدين يتحول إلى لعنة
يرى عزام أن "المديونية في السودان ولبنان لم تعد مجرد بند مالي في الموازنة، بل تحوّلت إلى لعنة تُقيّد أي محاولة للنهوض".
ويشرح: "في بيروت، الدين يشبه جداراً إسمنتياً يسدّ الأفق أمام أي إصلاح حقيقي. أما في الخرطوم، فقد جعل تضخّم الديون الاقتصاد أشبه بأرض متشققة عطشى، كل دولار جديد يُقترض يذهب فقط لخدمة دين قديم، كأنك تملأ غربالاً مثقوباً بماء البحر".
لماذا تتضخم الديون؟
بحسب عزام، "الأسباب معروفة لكنّها متكررة: عجز موازنات مزمن لا يُغلق، فساد وبيروقراطية تنهك مؤسسات الدولة، إضافة إلى اعتماد مفرط على الاقتراض القصير الأجل من دون رؤية واضحة، فضلًا عن الصدمات الناتجة من الحروب والعقوبات وتقلب أسعار السلع". ويضيف: "على النقيض، دول الخليج نجحت في تحويل عوائد النفط إلى درع سيادية عبر صناديق استثمارية عملاقة تحميها من رياح المستقبل، وهذا ما يجعل مديونيتها تحت السيطرة".
التصنيف الائتماني… الأسواق لا تُجامل
"الأسواق تنظر إلى الأرقام بعيون باردة"، يقول عزام. "وكالات التصنيف مثل موديز وفيتش وستاندرد آند بورز لا تُجامل أحداً: كلما ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي، تراجع التصنيف الائتماني، وكلما تراجع التصنيف ارتفعت تكلفة الاقتراض. وهكذا تدخل الحكومات في حلقة مفرغة: تقترض لتسديد ديون قديمة، فتتراكم عليها ديون جديدة".
استراتيجيات متناقضة
يشرح عزام:
• "في لبنان والسودان، الدولة أسيرة عجز بلا خطط ولا ثقة، والمستقبل يبدو غامضاً.
• في مصر والأردن، هناك إصلاحات جزئية تحت عباءة صندوق النقد، لكنها تأتي بتكلفة اجتماعية عالية.
• أما في الخليج، فالمعادلة مختلفة: خطط طويلة المدى، استثمارات سيادية، وفوائض تُدار بعناية، مما يبقي الدين تحت السيطرة".
كيفية الخروج من النفق؟
يعتبر عزام أن "أي دولة تريد الخروج من فخ الديون تحتاج إلى وصفة صعبة لكنها ممكنة:
1. إصلاح ضريبي عادل يوسع القاعدة الضريبية من دون سحق الطبقات الفقيرة.
2. إعادة هيكلة الديون مع المؤسسات الدولية لإطالة آجال السداد وخفض الفوائد.
3. تنويع الاقتصاد بعيداً من الاعتماد على مصدر واحد كالنفظ أو السياحة أو التحويلات.
4. مكافحة الفساد والإهدار، لأن كل دولار يُسرق يعني دولاراً إضافياً من الدين.
5. بناء احتياطيات مالية وسياسات مرنة قادرة على امتصاص الصدمات المستقبلية".
بين عبء الحاضر وإمكانات المستقبل
يختم عزام بالقول: "الدين العام مرآة تعكس خيارات الماضي وتحديات الحاضر، لكنه ليس قدراً محتوماً. بعض الدول تملك ترف الاستقرار والتخطيط، وأخرى تتنقل فوق جليد رقيق بين الأزمات. الفارق يبقى في السياسات: هل تبقى ردود فعل متأخرة، أم تتحوّل إلى رؤى استباقية تحمي الأجيال المقبلة؟".
نبض