السعوديّة تحظر "PwC" استشارياً
قرر صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) يوم الجمعة 28 شباط/فبراير الماضي، تعليق العقود الاستشارية والخدمات الاستشارية مع شركة بي دبليو سي (PwC) حتى شباط/فبراير 2026، في خطوة مفاجئة دون توضيح رسمي للأسباب من الطرفين، ونظراً إلى حالة الغموض التي تحيط بالقرار المفاجئ، قرّرت "النهار" البحث عن خيوط لكشف هذا الغموض، حيث يرجّح الخبراء أنّ الأمر يعود إلى "فضيحة التسريبات الضريبية" في أستراليا، فماذا حدث؟
أبلغ صندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي تبلغ قيمته 925 مليار دولار، في رسائل بريدية أكثر من 100 شركة تابعة له، بوقف إسناد المشروعات الاستشارية إلى شركة "بي دبليو سي"، والاكتفاء فقط بسريان عقود التدقيق والمراجعة المالية التي تجريها "بي دبليو سي" مع الشركات التابعة للصندوق السيادي السعودي.
والمُلفت للنظر هو أن قرار الصندوق السيادي السعودي جاء بعد أقل من عامين من تواجد شركة برايس وترهاوس كوبرز (PwC) البريطانية في السعودية، حيث إن الشركة أسست مقراً لها في المملكة عام 2023، ولديها أكثر من 2600 موظف في الرياض، وجدة، والعُلا، والخبر، والظهران، وتدير عملياتها في المنطقة من أكثر من 20 موقعاً.
وعلى خلفية القرار السعودي، أبلغت شركة "برايس ووترهاوس كوبرز" موظفيها في مذكرة يوم الجمعة، أنّ الوضع مع السعودية يتعلق بمسألة "عميل"، وليس قضية تنظيمية، بحسب أحد المصادر لـ"رويترز".
وتتعاون شركة "بي دبليو سي" حاليّاً مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF)، في محاولة لإصلاح علاقتهما التي توتّرت مؤخراً، خصوصاً أن السعودية تمتلك أكبر سوق استشارية في المنطقة، حيث تشير التقديرات أن حجم السوق بلغ نحو 3.2 مليارات دولار في عام 2023، بمعدل نمو 18.2 في المئة مقارنة بعام 2022، وفقاً لتقرير نشرته "رويترز" يوم الاثنين.
وتمثل منطقة الشرق الأوسط مورداً مهماً لإيرادات "بي دبليو سي" في ظل تراجع الأداء في أسيا ووقف التعاون مع الحكومة الفيدرالية الأسترالية، حيث بلغت إيرادات الشرق الأوسط 1.97 مليار جنيه إسترليني (2.5 مليار دولار) بحسب البيانات المالية المجمعة للفترة المنتهية في 30 يونيو/حزيران 2024. ولم تقدم الشركة تفصيلاً بشأن السوق السعودية.
وفي ظلّ غياب "بي دبليو سي" عن المشهد الاستشاري لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، قد تستفيد شركات عالمية أخرى من الوضع مثل "إرنست ويونغ" (EY)، و"ديلويت" (Deloitte)، و"كيه بي إم جي" (KPMG)، إلى جانب احتمالية صعود بعض المكاتب الاستشارية السعودية والتي تتمتع بثقة كبيرة من الحكومة ولها الأولوية في حالة تقديمها الجودة نفسها التي تقدّمها الشركات العالمية.
كيف بدأت القصّة؟
القصّة بدأت عام 2015 عندما استعانت الحكومة الأسترالية بأحد خبراء الضرائب الدوليين في شركة "بي دبليو سي" وهو بيتر كولينز (Peter Collins) رئيس الضرائب الدولية السابق في الشركة؛ لمساعدتها في صياغة قوانين ضريبية تستهدف الشركات متعدّدة الجنسيات، ولكن بالرغم من توقيعه على اتفاقيات لعدم كشف سرية القوانين وسوء استخدام المعلومات السرية لتحقيق مصالح تجارية أو شخصية، قام كولينز بتسريب معلومات حسّاسة حول هذه القوانين إلى زملائه داخل الشركة، بهدف استغلالها لتحقيق مكاسب تجارية، بحسب ما أظهرته التحقيقات.
في يناير/كانون الثاني 2023 ظهرت تقارير نشرها لأوّل مرّة نيل تشينويث (Neil Chenoweth) الكاتب في صحيفة (The Australian Financial Review)، تفيد بأنّ موظفين "بي دبليو سي" تبادلوا معلومات من إحاطات ضريبية حكومية سرية لاستقطاب أعمالٍ جديدة، هذا التسريب لم يؤثر فقط على سمعة الشركة، بل أدّى إلى حظرها من قبل الحكومة الأسترالية من الحصول على عقود مستقبلية وتحويل القضية إلى الشرطة الفيدرالية للتحقيق الجنائي.
وكشفت رسائل البريد الإلكتروني التي نشرها الكاتب أنّه في آب/أغسطس 2016 كان ثلاثة من شركاء "بي دبليو سي" يستغلون المعلومات السرية التي حصلوا عليها من كولينز في تطوير هيكل ضريبي جديد لصالح شركات تكنولوجية أميركية من بينها شركة "أوبر" (Uber) الأميركية للنقل التشاركي؛ وذلك بغرض مساعدة هذه الشركات العاملة في أستراليا على التهرّب الضريبي.
وأظهرت رسائل البريد الإلكتروني المُسرّبة أن شركة "بي دبليو سي" في أستراليا، فرضت رسومًا قدرها 2.5 مليون دولار لتقديم المشورة إلى 14 عميلاً حول كيفية التحايل على قوانين التهرب الضريبي الأسترالية الجديدة في شأن الشركات متعدّدة الجنسيات في عام 2016، وذلك بالاعتماد على معلومات استخباراتية مسرّبة من شريك الضرائب بيتر كولينز.
ونشرت هيئة ممارسي الضرائب (TPB) 144 صفحة من رسائل البريد الإلكتروني لشركة "بي دبليو سي" تُظهر أنّه بين عامي 2014 و2017 شارك كولينز مرارًا وتكرارًا معلومات سرية أصبحت محرّكًا رئيسيًا في خطّة الشركة للفوز بأعمال جديدة من شركات التكنولوجيا الأميركية التي ستتأثر بقانون مكافحة التهرّب الضريبي المتعدّد الجنسيات الجديد (MAAL).
وبحسب الصحيفة الأسترالية "ذا أستراليان فايننشيال ريفيو" هذه كانت الشرارة التي دفعت مكتب الضرائب الأسترالي لإعلان الحرب على شركة "بي دبليو سي" في أستراليا (PwC Australia) ومقاضاتها، وهو ما كاد أن يُدمّر الشركة بالكامل.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة قرّرت الشركة التي يضمّ هيكلها 950 شريكاً، إصلاحات جذرية في هيكلها الإداري بما في ذلك تعليق عمل بعض الشركات وإعادة تشكيل مجلس الحوكمة، ورغم الجهود استقال 9 شركاء وتعمّقت الفضيحة مع تقارير تشير إلى تورّط 36 شخصاً في القضية.
وعلى خلفية تداعيات فضيحة التسريبات الضريبية سرّحت شركة "بي دبليو سي" 329 موظفاً إضافياً، كما أقدم 37 شريكاً على التقاعد المُبكر، بحسب موقع (The Sydney Morning Herald).
نبض