ظاهرة "سانتا رالي": بين انتعاش الأسواق ونمو قطاع التجزئة
تُعد "سانتا رالي" ظاهرة موسمية تعكس تفاؤل المستثمرين وزيادة الإنفاق في موسم الأعياد، ما يؤدي إلى انتعاش الأسواق المالية وقطاع التجزئة عالميًا وعربيًا، لا سيما في الإمارات والسعودية.
ظاهرة "سانتا رالي" تعد من أبرز الظواهر الموسمية في الأسواق المالية العالمية. يُشار بهذا المصطلح إلى الارتفاع الذي تشهده أسواق الأسهم في نهاية شهر كانون الأول (ديسمبر) وأحيانًا في الأسابيع الأولى من العام الجديد.
يُعزى هذا الارتفاع إلى تفاؤل المستثمرين بفعل موسم الأعياد، وزيادة الإنفاق، والإقبال على التسوق الذي يُنشط قطاع التجزئة بشكل كبير، بالإضافة إلى إغلاق المستثمرين لمراكزهم المالية بنهاية السنة.
حجم الإنفاق ونمو قطاع التجزئة
خلال موسم الأعياد، يتزايد الإنفاق الاستهلاكي بشكل ملحوظ، مما ينعكس إيجابيًا على أداء الشركات في قطاع التجزئة. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يُتوقع أن يبلغ حجم الإنفاق في موسم الأعياد لعام 2024 نحو 950 مليار دولار، ما يعزز أرباح الشركات ويُحفز الأسواق المالية.
في أوروبا وآسيا، يُسجل نمو مشابه، حيث تستفيد الأسواق من العروض الموسمية والخصومات التي تُحفز المستهلكين على الإنفاق. يساهم هذا الإنفاق الكبير في تعزيز نمو قطاع التجزئة، مما ينعكس بشكل مباشر على أداء أسهم الشركات في هذا القطاع.
أوضح استراتيجي الأسواق المالية، جاد حريري لـ"النهار أنّ "هذا الارتفاع الذي يحصل من غير المضمون أن يتكرر في كل سنة"، كما يتأثر أيضا بظواهر اقتصادية، كالتخفيض المتوقع للفيدرالي الأميركي لأسعار الفائدة في شهر كانون الأول (ديسبمر). ما سينعكس بشكل ايجابي أكبر على أسواق الأسهم.
هنا، تجدر الإشارة إلى أهمية مفهوم "الجمعة السوداء" (بلاك فرايدي) وتأثيره أيضا على ظاهرة السانتا رالي، أظهر تحديث لبيانات (أدوبي أناليتيكس) أن المتسوقين الأميركيين استخدموا هواتفهم المحمولة وأجهزة الكمبيوتر وغيرها في إجراء مشتريات عبر الإنترنت بلغت نحو 10,8 مليارات دولار في "الجمعة السوداء".
الجمعة السوداء
وتمثل الجمعة السوداء، وهي اليوم التالي لعطلة عيد الشكر، البداية الرسمية لموسم التسوق في العطلات لتجار البيع بالتجزئة. واحتدمت المنافسة بينهم للفوز بكل متسوق يسعى إلى الخصومات والأسعار المخفضة.
ويفضل المتسوقون عبر الإنترنت عمالقة التجارة الإلكترونية مثل "أمازون دوت كوم" و"وول مارت". وتضخ سلسلة "وول مارت"، التي تدير 4,700 متجر في الولايات المتحدة، استثمارات ضخمة في خدمة توصيل الطلبات من المتاجر إلى المنازل في موسم العطلات لتعزيز التجارة الإلكترونية. وقالت أدوبي إن إنفاق الأميركيين عبر الإنترنت في الجمعة السوداء ارتفع 10.2%. وتتتبع الشركة الأجهزة التي تستخدم برنامجها للمساعدة في تسهيل أكثر من تريليون زيارة إلى مواقع متاجر البيع بالتجزئة في الولايات المتحدة.
وأوضح حريري أنه "في العادة، لا يشهد شهر كانون الأول (ديسمبر)، عمليات شراء كبيرة في الأسواق المالية، لأن التمركز الفعلي للمستثمرين يحدث عادة قبل وقوع الحركة، وليس بعدها. على سبيل المثال، منذ بداية شهر أيلول (سبتمبر)، لاحظنا عمليات شراء مكثفة في أسواق الأسهم، خاصة على مؤشر داو جونز، حيث ارتفع المؤشر بنحو 7%، وبحلول شهر تشرين الثاني (نوفمبر)، يكون المستثمر أو المتداول قد حقق مكاسب تُقدر بحوالي 7%، ويبدأ عندها بإغلاق مراكزه الاستثمارية كجزء من استراتيجية جني الأرباح، خاصة إذا كانت المكاسب تصل إلى 10 أو 12 أو حتى 15%، بحسب نسبة الارتفاع المحققة".
أما ما نشهده في منتصف كانون الثاني (يناير) إلى أواخر الشهر نفسه، فهو برأي حريري "تصحيحًا في أسواق الأسهم. ومع ذلك، فإن هذا التصحيح يعد ظاهرة طبيعية، حيث تشهد الأسواق خلال الأوقات العادية ارتفاعات أكبر من تلك التي يتم تحقيقها خلال الفترة المذكورة".
"سانتا رالي" في العالم العربي
تُعتبر الإمارات من أبرز الأسواق في العالم العربي التي تشهد نشاطًا كبيرًا خلال موسم الأعياد، خاصة في قطاع التجزئة. تسجل مراكز التسوق الكبرى مثل دبي مول ومول الإمارات ارتفاعًا في حركة الشراء بفضل العروض الموسمية التي تتزامن مع احتفالات رأس السنة.
قطاع التجزئة يشهد نموًا كبيرًا، حيث تقدر مبيعات التجزئة في الإمارات خلال موسم الأعياد بما يزيد عن 60 مليار درهم، مع توقعات بزيادة هذا الرقم مع تزايد أعداد السياح. كما تستفيد أسواق الأسهم الإماراتية، مثل سوق دبي المالي، من هذا النشاط، حيث ترتفع أسهم الشركات المرتبطة بالقطاع الاستهلاكي.
أما في المملكة العربية السعودية، فساهمت الإصلاحات الاقتصادية ورؤية 2030 في فتح أبواب جديدة أمام ظاهرة "سانتا رالي". فموسم الأعياد يتزامن مع نشاط تسوقي كبير، خاصة في المدن الكبرى مثل الرياض وجدة، حيث تُقدم المراكز التجارية عروضًا لجذب المتسوقين. كذلك، قطاع التجارة الإلكترونية، يبرز كأحد المحركات الرئيسية للنمو، حيث سجل زيادة بنسبة 25% خلال موسم الأعياد العام الماضي.
تستفيد أسواق الأسهم السعودية، وخاصة مؤشر تداول، من هذا النشاط، مع زيادة الاستثمار في أسهم الشركات المرتبطة بالتجزئة والخدمات الاستهلاكية.
الأكثر قراءة
المسّ بركائز وثيقة الوفاق الوطني –سواء بطريقة مباشرة عبر طرح مشروع "المُثالثة"، أو بطريقة ملتوية عبر المناداة بتطبيقٍ ملتوٍ للطائف تحت شعار تطبيقه "كاملاً" – قد يُدخل البلاد في سجالٍ يدفع بها نحو الحرب الأهلية...
نبض