آثار الحرب الأخيرة على المجتمع اللبناني
جيمي بسوسي
الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية، ولا تقتصر خسائرها على دمار الأبنية والمنازل، بل تمتد آثارها لتشكل تهديداً وجودياً للنسيج الاجتماعي والاقتصادي لأي بلد. في لبنان، منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل و"حزب الله" في 8 أكتوبر 2023 وحتى وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، شهد البلد موجة غير مسبوقة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي عمّقت فجوة عدم المساواة بين الفئات الاجتماعية. تأثرت الفئات الفقيرة والأكثر ضعفاً تأثراً أكبر مقارنةً بالطبقات الوسطى والغنية، ما أدى إلى تفاوتات صارخة في توزيع الدخل والفرص. لم تكن تداعيات الحرب مقتصرة على الدمار المادي فحسب، بل امتدت لتضرب أهم أعمدة الاقتصاد المحلي: القطاع الزراعي. فالمناطق الريفية مثل البقاع، النبطية، والجنوب، التي كانت تشكل العمود الفقري للإنتاج الزراعي، وجدت نفسها في مواجهة كارثية نتيجة النزوح والدمار الذي أصاب البنية التحتية وشبكات الإنتاج. هذه التأثيرات لم تؤثر فقط على الزراعة كقطاع اقتصادي، بل تسببت أيضاً في تغييرات اجتماعية عميقة، بدءاً من البطالة وصولاً إلى تعميق الفجوة الطبقية، ما يجعل استعراض هذا المشهد ضرورة لفهم حجم الأثر وإمكانات التعافي.
تأثير الحرب على الاقتصاد الزراعي
تعرضت محافظات البقاع، النبطية، والجنوب لتأثير مباشر من الحرب، ما أجبر معظم سكانها على النزوح. تعتبر هذه المناطق العمود الفقري للإنتاج الزراعي في لبنان، حيث تمثل الزراعة مصدر الدخل الأساسي لسكانها، وتشكل الزراعة الصناعية حوالي 80% من الناتج المحلي الإجمالي لهذه المحافظات.
إضافة إلى ذلك، تُعد هذه المناطق المورد الرئيسي للمنتجات الزراعية في السوق المحلي، إذ يساهم الجنوب مساهمةً كبيرة في إنتاج الفواكه، الزيتون، والموز، ما يجعلها حيوية للأمن الغذائي والاقتصاد المحلي على حد سواء.
خسائر مباشرة وغير مباشرة
الأراضي الزراعية في هذه المناطق تعرضت لأضرار جسيمة نتيجة القصف، ما أدى إلى تدمير شبكات الري والبنية التحتية المرتبطة بالإنتاج الزراعي. على سبيل المثال، انخفض إنتاج الموز بنسبة تفوق 70% بسبب تلف المزارع، ما أثر بشدة على 60% من الأسر التي تعتمد على الزراعة وتربية المواشي كمصدر رئيسي للدخل.
إلى جانب ذلك، واجه المزارعون تحديات كبيرة بسبب انقطاع سلاسل التوريد المحلية والدولية، الناتج من صعوبة النقل وارتفاع تكاليف الشحن، ما أدى إلى فقدان الأسواق للمزارعين ذوي الدخل المحدود. النزوح القسري ساهم أيضاً في تقليص القوة العاملة الزراعية في المناطق الريفية، ما ألقى بظلاله على إنتاجية القطاع الزراعي بأكمله.
الاعتماد المفرط على مصدر دخل واحد جعل الاقتصاد الريفي في جنوب لبنان هشاً أمام الصدمات الخارجية، خاصة مع التراكمات السلبية للأزمات الاقتصادية التي مر بها لبنان في السنوات الخمس الماضية. غياب التنويع الاقتصادي زاد من تعرض الأسر الفقيرة للانهيار الكامل، في الوقت الذي تمكنت فيه الأسر ذات الدخل المتوسط والمرتفع من التكيف من خلال الاعتماد على التحويلات المالية أو الأصول الاستثمارية البديلة.
تأثير السياسات المصرفية على الفجوة الطبقية
أصدر مصرف لبنان تعاميم لتوفير "الفريش دولار" لأصحاب الودائع بالدولار المحلي ("لولار"). مع ذلك، كانت هذه السياسات موجهة توجيهاً غير مباشر نحو الطبقات الغنية والمتوسطة.
الفئات المستفيدة وغير المستفيدة
استفادت الفئات الغنية والمتوسطة من هذه التعاميم نظراً لامتلاكها ودائع مصرفية كبيرة لم تضطر إلى سحبها سابقاً بسبب توفر مصادر دخل بديلة. لم تكن قادرة الفئات الفقيرة على الاستفادة من هذه التعاميم لأنها اضطرت إلى سحب أموالها في الأعوام السابقة بأسعار مخفضة (حسومات كبيرة) بسبب الحاجة إلى السيولة اليومية.
وفقاً لنظرية "التأثير غير المتماثل"، فإن السياسات الاقتصادية خلال الأزمات غالباً ما تفيد أصحاب المدخرات والأصول المالية، مثل الطبقات الغنية والمتوسطة، بينما تترك الفئات الأكثر فقراً دون أي دعم فعّال، لأنها كانت قد استنزفت مواردها بالفعل لتلبية احتياجاتها اليومية. إذاً هذه السياسات المالية والمصرفية عززت عدم المساواة بينما تركت الفئات الفقيرة دون حماية.
النزوح الداخلي والأنشطة العقارية
أدى النزوح من الجنوب والبقاع إلى زيادة الطلب على المساكن في مناطق جبل لبنان والشمال. ومع ذلك، استفادت الفئات الغنية والمتوسطة فقط من هذه الأزمة من خلال تأجير العقارات الإضافية التي يملكونها بأسعار مرتفعة، فيما عانت الفئات الفقيرة من ارتفاع تكاليف المعيشة.
تظهر البيانات أن متوسط الإيجار في المناطق المستهدفة ارتفع بنسبة 40% مقارنة بالفترة السابقة للحرب، ما عزز تركيز الثروة العقارية في أيدي الطبقات الغنية.
التأثير على قطاع التعليم
مع توقف المدارس الرسمية عن العمل بسبب استخدامها كمراكز إيواء للنازحين، استمر التعليم في المدارس الخاصة. هذا أدى إلى تفاوت صارخ في فرص التعليم بين الفئات الغنية والفئات الفقيرة التي تعتمد على التعليم العام.
تشير الدراسات إلى أن الانقطاع عن التعليم يزيد من احتمالية الفقر على المدى الطويل. وبالتالي، فإن الأطفال من الأسر الفقيرة سيتأثرون تأثراً مضاعفاً، ليس فقط بفقدان الدخل الحالي، ولكن أيضاً بتقليص فرص تحسين وضعهم الاجتماعي في المستقبل.
البطالة والفجوة في فرص العمل
البطالة واتساع فجوة فرص العمل كانت من أبرز التداعيات المدمرة للحرب، حيث تعرضت العمالة ذات المهارات المنخفضة لضربة قاسية نتيجة توقف القطاعات الزراعية والحرفية، ما أدى إلى فقدان عدد كبير من الوظائف وأثر مباشرةً على سبل العيش. وكانت النساء في المناطق الريفية الأكثر تضرراً، حيث تقلصت مشاركتهن في سوق العمل بسبب النزوح وفقدان الوظائف، ما زاد من هشاشة أوضاعهن الاقتصادية. وتشير الإحصاءات إلى ارتفاع معدل البطالة في المناطق المتضررة بنسبة 60% خلال فترة الحرب، ما عمّق الفجوة في الدخل بين الفئات الاجتماعية المختلفة وساهم في ترسيخ "حلقة الفقر المفرغة"، حيث يصبح الفقراء أكثر عرضة للبقاء في حالة الفقر نتيجة انعدام الفرص وغياب الأمان الاقتصادي.
استنتاجات وتوصيات
أظهرت التحليلات أن الحرب بين إسرائيل و"حزب الله" خلال 2023-2024 لم تكن مجرد أزمة عسكرية عابرة، ولم تقتصر خسائرها على الأبنية والمنازل التي تهدّمت، بل مثلت نقطة تحول عميقة أدت إلى تفاقم التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان. ضربت الحرب بنية الاقتصاد الهشة، خاصة في المناطق الريفية، وساهمت في تعميق فجوة عدم المساواة بين الفئات الاجتماعية، ما يتطلب استجابة عاجلة وشاملة لمعالجة آثارها.
بالتالي، بالإضافة إلى إعادة الإعمار، أي خطة لمعالجة تداعيات الحرب، يجب أن تشمل ثلاث نقاط أساسية:
1- إعادة هيكلة التعليم العام لضمان استمراريته:
• يجب إنشاء بنية تحتية تعليمية مرنة تتضمن مدارس متنقلة ومراكز تعليم رقمي، لضمان استمرار التعليم العام حتى أثناء الأزمات والحروب.
• التوقف عن استخدام المدارس كمراكز إيواء للنازحين وإيجاد حلول أخرى.
• تعزيز التعليم المهني والتقني وربطه باحتياجات السوق المحلي، لضمان فرص عمل مستدامة للشباب بعد انتهاء الأزمات
2- الدعم الاجتماعي المباشر للفئات الأكثر ضعفاً:
• توفير برامج مساعدات نقدية عاجلة موجهة للأسر الأكثر تضرراً لضمان تلبيتها للاحتياجات الأساسية في المرحلة الأولى من التعافي.
• ربط المساعدات النقدية ببرامج التدريب المهني والمبادرات الاقتصادية، لتمكين المستفيدين من بدء مشاريع صغيرة أو الدخول إلى سوق العمل تدريجياً.
3- إعادة تأهيل المناطق الزراعية المتضرّرة:
• إطلاق برنامج طوارئ لإعادة تأهيل الأراضي الزراعية والبنية التحتية الأساسية (كالري، والنقل، والتخزين).
• دعم التعاونيات الزراعية لتقليل التكاليف على المزارعين وزيادة الإنتاجية.
• إنشاء صندوق تعويضات مخصص لدعم المزارعين وأصحاب الأعمال الصغيرة الذين فقدوا مصادر دخلهم بسبب الحرب.
ومع ذلك، وفي ضوء تاريخ لبنان الطويل مع الفساد والمحسوبية، من الضروري أن تكون هذه السياسات مصحوبة بإجراءات صارمة لضمان الشفافية والمساءلة. يجب إنشاء هيئة جديدة مستقلة لإدارة ومراقبة أموال إعادة الإعمار والدعم ووضع آليات رقابية محكمة لتجنب تسرب الأموال أو استغلال الموارد المخصصة لإعادة الإعمار والتنمية. كذلك، ينبغي إشراك المجتمع المدني والجهات الدولية في مراقبة ومتابعة تنفيذ هذه الخطط لضمان توجيهها نحو تحقيق أهدافها الحقيقية وليس إلى تعزيز شبكات النفوذ والفساد.
تتطلب معالجة هذه التحديات نهجاً تكاملياً يجمع بين الجهود الحكومية، الدولية، والمحلية، مع وضع العدالة الاجتماعية والاقتصادية في صميم أي استراتيجية، لضمان تحقيق تعافٍ شامل ومستدام يخفف من تبعات الحرب ويبني مستقبلاً أكثر إنصافاً وشفافية، لعلها تكون خطوة نحو قيام دولة حقيقية تضع مصلحة مواطنيها فوق أي اعتبار.
نبض