.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لا فرق كبيراً بين القتل والتعذيب، بين تصرّف اللحظة وتصرّف الشرّ الممنهج. فكلاهما عنفٌ مطلق، مرفوضان بكل معايير الإنسانية. في حالة القتل، نوع من التعذيب ينتقل إلى ذوي الضحيّة، وفي حالات التعذيب مسار قد يوصل الجلاّد إلى قتل المُعذّب ومن حوله وتدريجياً حيث يُختتم القتل في سحق الجسد والروح معاً. كل تلك المعاني يمكن اعتبارها كتعريف واضح نقدّمه لحالة الشعب السوري الذي عاش في ظلال القتل والتعذيب لأربعة وخمسين عاماً.
في النهاية، سقط الأسد وانكشف بالكامل، وسقطت معه كل السرديّات المُبرِّرة لأداء نظامه الوحشيّ الذي فتك بمعارضيه من السوريين واللبنانيين وغيرهم من الذين وقفوا في وجهه، أو ربما اعتقد أنهم وقفوا في وجهه، من دون علمهم حتى. اختار الغُرف السوداء والباردة لينفذ أحكامه وإعداماته من دون حسيب ولا رقيب.
سقط الأسد وسقطت معه كل أسلحته، الظاهرة والمخفيّة، أو حتى الظاهرة جزئياً والتي لم نشاهد بأمّ العين قبل سقوطه صورتها الكاملة، ألا وهي "معتقلات الموت"، أي السجون السوريّة.
في الأيام التي تلت سقوطه المدوّي، كثيرة هي الصوَر التي رأيناها عن سجونه ووحشيّة أدائه. رأينا ونرى ما تكلّمت عنه روايات المعتقلين المُفرج عنهم في محطّات عديدة من مرحلة الحكم الأسديّ، رأينا ونرى المعنى الكامل لـ 55,000 صوَرة صوّرها "قيصر" لنحو 11,000 سوري، المُصوّر السابق الذي عمل في الطبابة الشرعيّة في الشرطة العسكريّة السورية والتي اقتصرت مهمّته آنذاك على تصوير الحوادث الجنائية، حيث كُلّف بتصوير جثث ضحايا التعذيب والقتل على يد النظام السوري في مستشفى تشرين العسكريّ ومستشفى 601 العسكريّ في المزة، والتي حملها سراً وهرب بها نحو دوائر القرار، التي أنتجت قانون العقوبات الأميركية "قيصر".
رأينا ونرى ما اقترف النظام السوري من تعذيب وتنكيل وبطش وقتل واعتقال. رأينا ونرى وسنستمرّ في توثيق جرائم حكم آل الأسد التي انقضّت على الحكم في سوريا في عام 1970، ورحلت عنها قسراً في عام 2024.
الاعتقال السياسي في سوريا
تعّرضت سوريا لثماني انقلابات عسكريّة قبل الوصول إلى انقلاب عام 1970. توازياً معها، شهدت سوريا موجات من الاعتقالات السياسية أبرزها في حقبة الجمهوريّة العربية المتحدّة بين عامي 1958 و1961، حين تعرّض الماركسيون والشيوعيون آنذاك لاعتقالات بالمئات. وما تبع الحقبة الأولى، حقبة أخرى أتت بعد الانقضاض البعثي على الحكم السوري في عام 1963، وتم التركيز آنذاك على اعتقال الشخصيات "الناصريّة" وأُعدم العشرات منها وسُجن المئات منها أيضاً.
بين عامي 1967 و1970، اعتُقل بعثيون مرتبطون بتركيبة عام 1963 البعثية إلى جانب معارضين آخرين من الماركسيين والإسلاميين، وصولاً إلى حقبة حافظ الأسد الذي استكمل حملات الاعتقال السياسي بحق رفاقه البعثيين الذين أزاحهم عن الحكم بالقوّة، وانقض عليهم.
في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، اشتدّت مع حكم حافظ الأسد حملات الاعتقال السياسي، وأصبح الألوف من السوريين ضحايا معتقلات الدولة التي اتكلت على السجون وسيلةً انضباطية استخدمتها لترويض المعارضين من كل الفئات، حتى لو انتموا إلى أيديولوجيات مختلفة. فاستطاع الأسد أن يجمع داخل غرفه السوداء الماركسيين والإسلاميين وبقايا الناصرية والموالين للقطر العراقي في حزب البعث. كانت المعتقلات آلة انضباط أساسية في بسط الأسد سلطته الحديدية على كل الاراضي السورية، فوجد النظام السوري نفسه مسيطراً على مجتمع منهك، وخائف وجائع بفعل أزمة معيشية ضربت سوريا في أواخر الثمانينيات.
شرعة الإعدامات