الخميس - 04 آذار 2021
بيروت 14 °

إعلان

الحكومة اللبنانية بين المطرقة الأميركية والسندان الإيراني

الجيش يفتح الطرق المقطوعة اليوم جرّاء التحركات.
الجيش يفتح الطرق المقطوعة اليوم جرّاء التحركات.
A+ A-
الدكتور جيرار ديب

اعتبر مساعد رئيس البرلمان الإيراني أمير عبد اللهيان أنّ إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن تريد الإيقاع بإيران في فخ المفاوضات، من أجل التفاوض على كل شيء. وقال: "تفاوضنا سابقًا مع جزء من فريق بايدن ولا معنى للتفاوض معه مجددًا. لسنا متفائلين بتغيير سلوك أميركا تجاه إيران في عهد بايدن، وهي لا تفكر سوى بمصالحها".

في سياق متّصل، اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنّ أي محادثات جديدة مع إيران يجب أن تشمل السعودية. ففرنسا التي باتت تخسر وجودها في الشمال الإفريقي، تفتش عن موطئ قدم لها في الشرق الأوسط وتحديدًا مرفأ بيروت، لا سيما بعد خسارتها الورقة الليبية. بالمقابل، لن تقدّم الجمهورية الإيرانية جائزة ترضية بالمجان إلى فرنسا، وخلفَها أميركا، بوقت يحقّق محورها أكثر من انتصار على أكثر من جبهة. هذا ما لم تقدّمه لترامب على الرغم من ضغطه السياسي والاقتصادي، فهل ستفعله اليوم مع إدارة بايدن، التي على ما يبدو تميل إلى إلغاء العقوبات المفروضة عليها، لولا قرار الكونغرس الرافض لذلك؟ أضف إلى ذلك، فإنّ الإدارة الأميركية الجديدة، أمام تحدٍّ حقيقي في الملف الإيراني، لتحقيق نتائج مرضية لحليفتها إسرائيل، قبل أن تتهوّر الحكومة الإسرائيلية وتلجأ لتوريط أميركا بضربة عسكرية غير منتظرة على منشآت إيران النووية، ما يجرّ المنطقة إلى حرب لا تُحمد عقباها.

أمام هذه التعقيدات الخارجية التي تنعكس على القرار اللبناني وتعرقل تشكيل الحكومة، وفي لحظة الانتظار والترقّب لما سيؤول إليه انطلاق المفاوضات أو عدم انطلاقها، يخرق تصريح المسؤول الأميركي والأممي السابق جيفري فيلتمان في حديث لصحيفة الشرق الأوسط، أنّ السياسة الأميركية في سوريا، لإدارتي ترامب وأوباما، فشلت في تحقيق نتائج ملموسة إزاء أهداف واشنطن باستثناء هزيمة داعش، داعيًا لاختيار مقاربة جديدة تقوم على اتخاذ الرئيس السوري بشار الأسد خطوات ملموسة ومحددة وشفافة لا يمكن العودة عنها في شأن الإصلاح السياسي، مقابل إقدام واشنطن على خطوات ايجابية من بينها تخفيف العقوبات على دمشق.

هذا التصريح يثبّت فشل سياسة العصا التي اتّبعتها الإدارة الأميركية السابقة، لا سيما في قانون قيصر وانعكاس ذلك على لبنان. فالضعط الأميركي المتمثّل برفض تمثيل حزب الله في الحكومة العتيدة، قد يأخذ مع خطوة الرئيس ماكرون ومبادرته اتجاهًا أكثر واقعية وموضوعية، لا سيما وأنّ قرار الرئيس بايدن بوقف التمويل للحرب على اليمن، قد يُقرأ في طياته، فتح نافذة صغيرة في النفق المظلم. هذا ما سيرتدّ بالطبع إيجابًا على الوضع اللبناني، فيعوّم المبادرة الفرنسية التي خفّض الرئيس ماكرون سقف مطالبها من المطالبة بحكومة تكنوقراطية إلى حكومة إنقاذية يتمثّل فيها الحزب.

بالطبع، لن تكون خطوة الرئيس الفرنسي هذه المرة غير مدروسة، بل على العكس من ذلك، سيكون حريصًا كل الحرص أكثر من المرة السابقة، لا سيما بعد المؤتمر الصحفي لوزيري خارجية إيران وتركيا، والذي دعا إلى ضرورة التنسيق بين البلدين في المواضيع الرئيسية. هذه الدعوة تزيد تصميم ماكرون على إنجاح مبادرته، لأنّ فرنسا تدرك أنّ الساحة اللبنانية تضمن في طياتها حلفاء البلدين، لا سيما التركي، وهذا ما بدا من زيارة سعد الحريري إلى تركيا لتوثيق الدور التركي انطلاقًا من الشمال اللبناني.

جولة الرئيس الفرنسي الثالثة ستحمل معها الكثير من التطمينات، بعد اعتراضه على تشكيل حكومة حتى لو لم تكن ذات مواصفات منشودة. فهو مزمع على زيارة المملكة العربية والإمارات بهدف توضيح قراءته الواقعية في ما يتعلّق بالحكومة اللبنانية، وتليين الموقف العربي بخصوص التمثيل الحزبي في الحكومة.

إنّ التعقيد في الداخل اللبناني لا يزال سيد الموقف، فالزيارة الأخيرة للرئيس المكلّف سعد الحريري إلى قصر بعبدا، ولقاؤه الرئيس ميشال عون لم تحرّك المياه الراكدة في الشأن الحكومي، لا سيما وأنّ الحرب الكلامية والاتهامات بالكذب بين الفريقين انطلقت وتوسعت على مواقع التواصل الإجتماعي.

هذا التعقيد في مسار تشكيل الحكومة مردّه إلى الصراع الأميركي الإيراني حول قضايا المنطقة، بدءًا من اليمن التي تشهد ساحات القتال فيها تطورًا ميدانيًا متمثلًا بالتقدم الحوثي في مأرب، مرورًا بالعراق والصواريخ الحليفة لإيران التي استهدفت مطار أربيل، وصولًا إلى لبنان وساحة التصفيات وعضّ الأصابع بين العهد ومن ورائه حزب الله، والرئيس المكلف الحريري والعقد المتشابكة بين الثلث المعطل وحقوق المسيحيين والتمثيل الوزاري في الحكومة. كلّ هذه العقد قد ترخي بظلالها على إطالة عمر تشكيل الحكومة، لا سيما وأنّ القضايا الإقليمية لم تجد سبيلها للحلّ خصوصًا وأنّ الإيراني يتحضر لعملية انتخابية، ينتظر العالم أجمع نتيجتها. فقد تضطر الإدارة الأميركية إلى إبقاء الضغوط الاقتصادية على إيران والنظام الحاكم، لحضّها على التوجه دون قيد أو شرط إلى الاتفاق النووي وتفكيك العقد التي تمسك بها في أكثر من بلد عربي، خوفًا من الانفجار الاجتماعي والشعبي، أو حتى عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات واتهامها بالتزوير.

*محلل سياسي وأستاذ جامعي
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم