الثلاثاء - 21 أيلول 2021
بيروت 27 °

إعلان

بين موادّ القانون ومقدّمة الدستور... "انفلش" سعر صرف الدولار وتوحيده بند أساسيّ في برنامج مع صندوق النقد الدوليّ

المصدر: "النهار"
الدولار (أرشيف "النهار").
الدولار (أرشيف "النهار").
A+ A-
رولى راشد
 
 
لطالما اثبت الانهيار الاقتصاديّ، صحّة نظريّة أستاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا، روبرت ماندل، "الثالوث المستحيل"، بطريقة مذهلة. وهي تنصّ على أنّه لا يمكن الجمع في آن واحد، بين ثبات سعر الصرف وحريّة حركة رأس المال واستقلاليّة السياسات النقديّة. وقد سلّط ماندل الضوء على التكاليف الناجمة عن تبنّي سياسات نقديّة متهوّرة، أدّت إلى استنزاف احتياطات البلاد، من النقد الأجنبيّ، الذي تراكم بتكلفة هائلة، في محاولة للحفاظ على ثبات سعر الصرف، وحريّة تدفّق رؤوس الأموال.
 
في المشهد النقديّ والماليّ اللبنانيّ، لا شكّ أنّ سعر صرف الدولار الأميركيّ هو خارج السيطرة. والمتحكّم بالسوق جهات غير رسميّة تضخّ العملة تارة، وتسحبها طوراً، محرّكة البورصة صعوداً ونزولاً، تبعاً لتطوّرات ومزاجات ومضاربات احتكاريّة خطيرة، وإن اصبحت معروفة الأهداف، فإنّ نهايتها لم تُكتب بعد.
 
حكومة الرئيس حسّان دياب فشلت فشلاً ذريعاً في استيعاب السيناريو الذي دخل فيه لبنان، لا بل انزلقت بسرعة في القعر، وأغرقت معها البلاد والعباد بفعل قرارات عشوائيّة غير علميّة، وبإيعاز من قوى الأمر الواقع، وأسوأ ما فيها، تمنّع لبنان عن تسديد استحقاقات الـ"يوروبوندز"، وسحب الثقة الدوليّة عنه، وعن مؤسّساته، ليتمّ تكريسه بلداً فاشلاً ومفلساً في آن.
 
مع قرار رفع الدعم، ارتفعت وتيرة الحديث عن تحديد سعر واحد لصرف الدولار في الآونة الأخيرة، ليس فقط في اجتماعات لجنة المال والموازنة، ولكن داخل "المركزيّ"، إذ في المعلومات أنّه منذ شهرين، كانت هناك دراسات يتمّ العمل عليها، من أجل توحيد السعر، بعيداً عن أيّ خطوات عشوائيّة، ولكنّ التريّث بقي سيّد الموقف، في انتظار وصول حكومة جديدة مؤهّلة للتفاوض مع صندوق النقد الدّوليّ، والالتزام معه بسلسلة تدابير وإصلاحات من أولويّاتها توحيد سعر الصرف.
الأرجنتين وغيرها من البلدان، عاشت تجربة تعدّد سعر الصرف، وفلتان الأسعار. هل حان وقت التوحيد في لبنان؟
 
 
عنداري
يرى الخبير الاقتصاديّ نائب حاكم مصرف لبنان سابقاً، الدكتور سعد عنداري، أنّ هناك حوالى 12 سعراً لصرف الدولار في السوق اللبنانيّ اليوم. منه ما هو: لتداول الشيكات، للسحوبات النقديّة، لمنصّة صيرفة، لدعم الدواء، لدعم المحروقات، لدعم السلع الغذائيّة وغيرها...
 
وقال لموقع "النهار"، نأمل أن يكون توحيد سعر الصرف بنداً رئيسياًّ في الخطّة المفترض وضعها بسرعة قياسيّة، مع صندوق النقد الدّوليّ، علماً أنّها مرتبطة بقدرة الحكومة على التنفيذ، بالتزامن مع ضبط التجاوزات بشتّى أنواعها، لاسيّما عمليّات التهريب، إلى جانب إرساء آلية تمنع التداول في السوق الموازي.
وعن إيجابيّات توحيد السعر، يوضح أنّه سيفرمل مسألة تهريب العملة، وسيضبط الأسعار ويضمن استقرارها الى حدّ ما، وبالتالي، سيحدّ من نموّ الكتلة النقديّة التي تشهد انفلاشاً عشوائيّاً.
 
وركّز عنداري مجدّداً على أنّ العبرة تبقى في جدّية تنفيذ أيّ خطّة يضعها لبنان مع صندوق النقد، وليس في النوايا فقط.
 
ولفت الى أنّ الالتزام ببرنامج صندوق النقد يفتح الأبواب العالميّة أمام لبنان، على مختلف المستويات، من دول مانحة وصناديق داعمة ومصارف مراسلة.
 
وأمل أن توفّق الحكومة الجديدة برئاسة نجيب ميقاتي في مهامها الملحّة، خصوصاً وأنّها تضمّ عدداً من الوزراء المشهود لهم بكفاءاتهم وخبراتهم، خصوصاً الوزراء المعنيين بالملف الاقتصاديّ ونائب رئيس الحكومة الدكتور سعادة الشامي، الذي كان خبيراً في صندوق النقد الدّوليّ، وأيضاً وزير المال يوسف الخليل، الذي سينجح من دون شكّ في إيجاد التنسيق اللازم بين السياستين النقديّة والماليّة، بحكم المسؤوليات التي تولّاها في كلّ من المصرف المركزيّ ووزارة المال، إضافة الى ملفّ وزارة المال.
 
 
مرقص
رئيس مؤسسة "جوستيسيا الحقوقيّة" المحامي الدكتور بول مرقص، يلفت الى وجود تعاميم عدّة تمّ إصدارها حول أسعار الصرف، وأكثر دقّة لناحية إنشاء منصّات لسعر صرف الليرة اللبنانية، سواء التعميم 151 الذي حدّده بـ3900 ليرة أو غيره... فهذه التعاميم استندت الى نصّ المادة /70/ من قانون النقد والتسليف كسند قانونيّ، إلّا أنّ هذه المادّة تتعلق بسلطة مصرف لبنان في الحفاظ على النقد اللبنانيّ، وبسلامة الاقتصاد الوطنيّ، وأوضاع النظام المصرفيّ.
 
في النصوص القانونية، المادة /47/ من قانون النقد والتسليف منحت مصرف لبنان صلاحيّة حصريّة لإصدار النقد الوطني، فلا وجود لنصّ واضح مباشر وصريح وكافٍ للإجازة "للمركزيّ" تحديد سعر النقد الوطنيّ مقابل العملات الأجنبية، فلم يتناول قانون النقد والتسليف مباشرة هذا الموضوع، باستثناء المادّة الثانية منه، والتي تنصّ على أنّ القانون هو الذي يحدّد قيمة الليرة اللبنانيّة بالذهب الخالص. أضف الى ذلك، المادّة /229/ المعطوفة على المادّة /2/ من قانون النقد والتسليف، التي تعتبر الأساس القانونيّ لتحديد سعر الصرف في لبنان، فإنّها تنصّ على سعر انتقاليّ لليرة اللبنانيّة كما هي لتحديد سعر الصرف.
 
أمّا بالعودة الى المبادئ العامّة الدستوريّة ولاسيّما الفقرة (و) من مقدّمة الدستور، نجد أنّها تنصّ على أنّ النظام الاقتصاديّ الليبرالي الحرّ يكفل المبادرة الفردية. لكن ليس هناك مرتكز نهائيّ وواضح وصريح، يخوّل مصرف لبنان تحديد سعر صرف الليرة. لذلك، وُجدت أسعار مختلفة لليرة، أبرزها سعر التعامل الحرّ في السوق، والذي تخطّى سعر الـ20 الف ليرة للدولار يقابله سعر رسميّ بـ1515 ليرة ، وسعر مصرفيّ بـ3900 ليرة، ودولار للمحروقات الى جانب دولار"منصّة صيرفة" الذي يقارب الـ12 ألف ليرة للدولار.
 
وعن توحيد سعر الصرف، أكّد مرقص ضرورة هذا الإجراء، متسائلاً عما اذا كنّا جاهزين لذلك، لأنّ ثمّة متطلّبات. ويقول: توحيد السعر مطلب أساسيّ من مطالب صندوق النقد الدّوليّ، الذي شاركت في عدد من اجتماعات الدولة اللبنانيّة معه، كمستشار متطوّع ومستقلّ. كذلك "الكابيتال كونترول" هو من الشروط المتلازمة مع توحيد سعر الصرف، لا بل هو باب لتوحيد سعر الصرف. إلّا أنّ هذا لم يحدث للأسف. وهو اليوم رهن بالبرنامج الذي ستعدّه الحكومة مع ما يتطلّب من تعديل لخطّة حكومة الرئيس السابق حسّان دياب، والتي سُمّيت "خطّة التعافي الاقتصاديّ" فيما أنّني لا اعتبرها كذلك، لا بل هي خطّة اللا تعافي.
 
 
معهد التمويل
في سياق ظاهرة تعدّد أسعار الصرف لحظت دراسة لمعهد التمويل الدوليّ، وجود 12 دولة حول العالم، تشهد حاليّاً ظاهرة تعدّد أسعار الصرف، ما بين سعر صرف فعليّ في السوق الموازية، وأسعار صرف رسميّة متعدّدة، يتمّ استعمالها لغايات مختلفة كاحتساب الضرائب ودعم الاستيراد وغيرها. لائحة الدول هذه شملت: لبنان وتركمانستان وإيران وسوريا والجزائر والأرجنتين ونيجيريا وزيمبابوي وأنغولا ومصر والسودان وأوزبكستان.
 
وحسب التقرير، فالمسألة المشتركة بين كلّ هذه الدول هي فشلها في تطبيق سلّة الإصلاحات الماليّة الشاملة، التي تكفل تناسق البرامج الاقتصاديّة مع أنظمة القطع والسياسات النقديّة، بالإضافة إلى فقدان الثقة بالعملة المحليّة، وغياب الاستقرار السياسيّ والماليّ.
 
وقدّم معهد التمويل الدوليّ مجموعة توصيات يمكن أن يستفيد لبنان منها، للخروج من أزمته الراهنة. فتقليص الفوارق بين أسعار الصرف الرسميّة وسعر صرف السوق الموازية بشكل تدريجيّ، تمهيداً لتوحيد أسعار الصرف وتعويم السعر الرسميّ، لا يعني الدخول في مرحلة التضخّم بالضرورة، خصوصاً إذا توازت هذه الإجراءات مع رزمة من الإصلاحات الاقتصاديّة المناسبة، ومع عودة التدفّقات الماليّة من الخارج، وإذا تمتّعت البلاد برزمة دعم ماليّة من صندوق النقد، تسمح بالسيطرة على سعر الصرف خلال المرحلة الإنتقاليّة. كما يشير التقرير إلى أنّ مرحلة توحيد أسعار الصرف يمكن أن تمرّ بسلاسة وبسرعة، إذا تمكّنت البلاد من التخلّص من الاعتماد على احتياطاتها، عبر تأمين تدفّقات وازنة من العملة الصعبة من الخارج.
 
ولكن أين لبنان من كلّ هذا؟ هل تنجح حكومة ميقاتي في انتشال السياسة النقديّة والماليّة من دهاليز القرارات الاعتباطيّة، وإعادة الثقة إلى العملة الوطنيّة؟


الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم