الأحد - 27 أيلول 2020
بيروت 29 °

ماذا تخسر واشنطن عند تقليص مساعداتها الخارجيّة؟

المصدر: " ا ف ب"
جورج عيسى
A+ A-

تكمن أولويّة ترامب في الاستجابة لتطلّعات قاعدته الشعبيّة التي غالباً ما تظهر هواجسها من ذلك النظام والمؤسّسات التي أنتجها. من هنا، يمكن فهم سعي ترامب الحثيث إلى خفض المساعدات الأميركيّة أو إيقافها بالنسبة لمجموعة من البرامج الخارجيّة، إضافة إلى أسباب سياسيّة الأخرى. وحاول مكتب البيت الأبيض للإدارة والموازنة أن يوقف تحويل أموال بقيمة 3.5 مليار دولار سبق أن وافق عليها الكونغرس، بحجّة أنّه لم يعد هنالك حاجة إليها بعدما انتفت أغراضها الأساسيّة. لكنّ مشرّعين أبدوا اعتراضهم على سلوك الإدارة الأميركيّة في هذا الموضوع. \r\n

حتى داخل الإدارة، قد يجد ترامب متحمّسين للمساعدات الأميركيّة الخارجيّة. في آذار الماضي، علّق ترامب 200 مليون دولار مخصّصة للبنية التحتيّة في شمال شرق سوريا حيث تبسط قوّات سوريا الديموقراطيّة الحليفة لواشنطن سيطرتها على المنطقة. في ذلك الوقت، كان ترامب متحمّساً لإرجاع قوّاته سريعاً إلى الولايات المتّحدة. لكن اليوم وبعد تعيين مساعد لوزير الخارجيّة للتواصل بشأن سوريا إضافة إلى موفد أميركيّ خاص، من المفيد مراقبة موقف ترامب من مسألة المساعدات لتلك المنطقة. وإضافة للمسؤولين في الإدارة وأعضاء في الكونغرس، شدّد مراقبون كثر على أّهمّيّة استمرار واشنطن في تقديم المساعدات الخارجيّة، مقدّمين دراسات عن انعكاساتها الإيجابيّة على المصلحة الأميركيّة المباشرة.


مبادئ توجيهيّة\r\n

رئيس المنظّمة الصحّيّة غير الحكوميّة "لايفنت" مايكل سبراغينز شدّد في مقاله ضمن معهد "ساغامور إنستيتيوت" على وجود مبادئ عدّة توضح فاعليّة الوكالة الأميركيّة للتنمية الدوليّة، وهي الوكالة الفيديراليّة المعنيّة بإدارة المساعدات الأميركيّة. يعترف الكاتب بأنّ هنالك تساؤلاً محوريّاً حول كيفيّة التوفيق بين رئيس ذي توجّهات انعزاليّة وبين الدور البارز للمساعدات الخارجيّة. لكنّ تحويلها لصالح الدول الأكثر هشاشة عبر أساليب مبتكرة وإعادة هيكلتها إضافة لعودة واشنطن إلى اعتناق مبدأ أنّ الاستثمار هو مقياس النجاح، يمكن أن يعود ذلك بالنفع للولايات المتّحدة على صعيد الأمان والاستقرار والثراء. \r\n

ويرى سبراغينز أنّ العالم يزداد تداخلاً مع ازدياد تبادل الأفكار والبضائع، لذلك يصبح التفكير الانعزاليّ غير عمليّ. من هنا، تجعل المساعدات الولايات المتّحدة قوّة خير على الصعيد العالميّ فيما يجعل حسن استخدامها الدواء المطلوب للدول الضعيفة إذ تتضاءل حاجتها للمساعدات في المستقبل بحسب الكاتب.


التأكيد عند من يحاربهم؟\r\n

إذا كان سبراغينز قد عرض مبادئ عامّة يمكن للمساعدات أن تكون أكثر فاعليّة إذا تمّ توجيهها وفقاً لأطرها، فإنّ فين غوبتا وفانيسا كيري ذكرا في مجلّة "فورين بوليسي" أكثر من دراسة تبرهن أنّ للمساعدات آثاراً إيجابيّة على الدول المتلقّية كما على الدولة المرسِلة. وأشارا إلى أنّ دراسة حول دول جنوب الصحراء، أجريت بين 2005 و 2014، الفترة التي شهدت زيادة في الالتزامات الماليّة لبرامج الصحّة العالميّة، وجدت أنّ الدول التي تلقّت أعلى نسب من المساعدات الصحّيّة على مستوى الفرد هي التي شهدت تحسناً شبه مباشر في مجال الاستقرار، بما فيه جودة حوكمة أعلى ودرجات فساد أقل وتحسّن في التناغم الاجتماعي. \r\n

سيظلّ هنالك تشكيك بجدوى المساعدات للدول الفقيرة من قبل بعض الاقتصاديّين خصوصاً على مستوى نموّ تلك الدول. لكنّ الخلاف في واشنطن يظهر اليوم على مستوى الصراع بين الحمائيّين والعولميّين بالتحديد. في هذا المجال، قد يكون هنالك مثل يمكن أن يلفت نظر الرئيس الأميركيّ نفسه. ففي خضمّ حربه التجاريّة القاسية مع بيجينغ، يبدو أنّ الصين مهتمّة بالمساعدات الخارجيّة لكونها تنعكس إيجاباً على صورتها وقوّتها حول العالم. لهذا السبب، تنخرط بيجينغ في مجال تمويل البرامج الأجنبيّة بالتوازي مع مدّ نفوذها الاستثماريّ في الخارج. يضاف إلى كلّ ذلك، أنّ المساعدات الأميركيّة الخارجيّة ضئيلة بالنسبة لموازنتها السنويّة إذ هي تساوي حوالي 1% منها وحسب.


"قصر نظر"\r\n

يعرض جايمس ماكبرايد في "مجلس العلاقات الخارجيّة" أرقاماً بارزة حول حجم المساعدات الأميركيّة التي تغيّرت مع مرور الوقت. فهي تراجعت إلى حدّ كبير بعد سقوط الاتّحاد السوفياتي حتى بلغت 0.8% من حجم الموازنة سنة 1997 قبل أن تعود وترتفع بعد هجمات 11 أيلول لتصل إلى 1.4% سنة 2007 في ضوء مساعدة #العراق و #أفغانستان إضافة إلى الإنفاق الأميركيّ خلال إدارة بوش الابن على برامج الصحّة العالميّة. \r\n

\r\n

قد تكون هذه الأرقام بحاجة لدراسة موسّعة عن إمكانيّة وجود مساهمة نسبيّة لانخفاض المساعدات في بروز الإرهاب. ويمكن للمتابع أن يجد مؤشّراً مشابهاً في مقال غوبتا وكيري. فهما كتبا عن مفهوم "ديبلوماسيّة الصحّة الاستراتيجيّة" الذي شدّد عليه السيناتوران السابقان بيل فريست وطوم داشل لكونه عقيدة تتخطّى الانقسام السياسي وتتمتّع بمقاربة فعّالة لتعزيز الأمن العالمي. ومؤخّراً أنهيا دراسة أخرى (2008 – 2014) خلصت إلى أنّ الدول التي فرضت تهديداً أكبر على الولايات المتّحدة هي تلك التي تلقّت مساعدات صحّيّة سنويّة أقل من تلك التي تفرض تهديداً أصغر. وأضافا أنّ تقليص المساعدات الخارجيّة وخصوصاً في المجال الصحّي سيعبّر عن "قصر نظر" لأنّه لن يخدم "المصالح الأميركيّة البعيدة المدى".

الكلمات الدالة