الخميس - 29 تشرين الأول 2020
بيروت 25 °

إعلان

75 رائداً لبنانياً ساهموا في النهضة العربية والابداعية في مصر

جوزف باسيل
A+ A-

خمسة وسبعون هم "الرواد اللبنانيون في مصر" الذين اختارهم كريم مروة للكتابة عنهم، باختصار، لأن كلاً منهم يستحق كتاباً. كل من ورد اسمه هو علم من أعلام النهضة العربية، منهم المشهور جداً أو الأقل شهرة، أو لم يُلقَ الضوء عليه كفاية. هم لبنانيون، وليسوا قلة، ساهموا في النهوض بالحضارة العربية في أسوأ مراحل انحطاطها، واحيائها بعدما كانت تنوء بعوامل التتريك، وتحت وقائع التخلّف والاستبداد.
هؤلاء ليسوا قلة، لكنهم ليسوا الكل، إنهم الصف الأول في التراتبية، وخلفهم صفوف، وإن البحث عن الجميع واجب، لكنه يحتاج الى جهد كبير.
ويقول مروة: إن اسهامي في الاضاءة على تراث روّادنا اللبنانيين الكبار، ليس إلاّ استكمالاً متواضعاً، لما كان قد سبقني اليه باحثون مجتهدون من أجل المعرفة، كتّاباً ومبدعين ومؤرخين ونقاداً في الأدب والفن بأجناسهما المختلفة".
عدا عن مجال شهرة كل علم من هؤلاء عرض مروّة نبذة تاريخية عن نشأتهم وحياتهم للتعريف بهم، كما بما اشتهروا به. وهؤلاء لم يكونوا صحافيين فحسب، بل أساتذة جامعات وعلماء في اللغة والأدب والعلوم ولهم مؤلفات مشهورة آنذاك. كانت الصحافة مهنة اللبنانيّين الأحرار ورسالة لبنان إلى العالم، رسالة الأحرار إلى الشعوب الراضخة أو المستكينة أو المحتلة، فأين صارت؟
بدأ مروة كتابه بما يلاقي اهتمامنا، من الصحافة التي أسسها لبنانيون في مصر، ونالت شهرة واسعة امتدت عقوداً وبعضها ما زال مستمراً، خصوصاً أن تلك الصحافة سبقت اللبنانية بشهرتها وانتشارها، وأثّرت في نشوئها في بيروت بعد زوال الاحتلال العثماني. لكن سبقتها نحو ست عشرة صحيفة صدرت في بيروت، نذكر منها: "حديقة الأخبار" لخليل الخوري عام 1858، ثم "نفير سوريا" لبطرس البستاني عام 1860.


صحف ومجلات مستمرة
أسماء الصحف في مصر كثيرة، لكن الصحيفة الأولى التي استحوذت على الشهرة والاهتمام في كل العالم العربي، هي "الاهرام" التي أسسها اللبنانيان سليم وبشارة تقلا في الاسكندرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتعاقب على رئاسة تحريرها بعدهما: داوود بركات الذي جعلها الأوسع انتشاراً والأكبر في عدد الصفحات في الثلث الأول من القرن العشرين، ثم انطون الجميل، قبل مرحلة محمد حسنين هيكل في عهد جمال عبد الناصر، في خمسينيات القرن الماضي.
والمطبوعة الثانية التي حظيت بالاهتمام هي مجلة "المقتطف" التي أصدرها يعقوب صروف وفارس نمر في بيروت عام 1876، وانتقلا بها الى مصر عام 1885، ثم تسلّمها فؤاد صروف.
أما مجلة "الهلال" فهي قرين اسم جورجي زيدان الذي اشتهر برواياته عن التاريخ العربي والتي ظلت تحظى باهتمام اليافعين حتى أواخر القرن الماضي، وبمؤلفاته عن تاريخ الشرق. و"الهلال" هي مجلة القضايا والسجالات والمناقشات. وتعاقب عليها كل من اميل وشكري زيدان، اللذين أصدرا بين أعوام 1924 و1956 مجلات: "المصوّر"، "كل شيء والدنيا"، "الفكاهة"، "الدنيا المصوّرة"، "الأبطال"، "الاثنين"، "الكواكب"، "حواء"، و"سمير". كذلك أصدرا سلسلة "روايات الهلال" الشهرية، ثم كتاب الهلال.
ويذكر لحبيب جاماتي دور كبير في الصحافة في مصر وباريس، خصوصاً في دار الهلال بعد الاهرام.
واشهر المجلات المصرية الفنية "روز اليوسف" التي أسّستها فاطمة اليوسف من طرابلس - لبنان.
الحديث عن الصحافة يعبر الى الفكر والمفكرين وهم رواد الصحافة كتابة وقراءة، ومنهم رشيد الشميّل مؤسس جريدة "البصير" في الاسكندرية، وتوالى على اصدارها شقيقاه سبع وقيصر وابنه شارل. ولا نُغفِل من آل الشميّل شبلي الذي اشتهر طبيباً وأديباً ومفكراً.
وكثيرون غير رشيد الشميّل عملوا في "الأهرام وكتبوا فيها، مثل: خليل زينية الذي أصدر لاحقاً مجلة "الراوي"، ثم جريدة "الثبات" في بيروت، ومجلة "المرآة" في القاهرة. وعبده بدران الذي أصدر "الصباح" و"لسان العرب". وأمين حداد. وطانيوس عبده الذي أنشأ جريدة "الرقيب" مع حنا النقاش، و"فصل الخطاب" و"الشرق". وسليم سركيس الذي أصدر "المشير" الاسبوعية، و"المرأة الحسناء" باسم مستعار هو الآنسة مريم مزهر، وكان أصدر في لندن جريدة "رجع الصدى"، وبسفره الى أميركا أنشأ "الراوي" و"البستان" ومجلة "سركيس".
وفي الصحافة لا يمكن أن نغفل يوسف الخازن الذي أسس بالتعاون مع داوود بركات جريدة "الأخبار" الاسبوعية عام 1892. ثم عاود إصدارها يومية، وباعها عام 1902. واشتراها عام 1952 الاخوان مصطفى وعلي أمين لتصبح الشقيقة اليومية لجريدة "أخبار اليوم" الاسبوعية، ومازالت تصدر حتى الآن.
ونجيب كنعان هو آخر لبناني مديراً للتحرير في "الأهرام" من 1954 - 1968، وكان سبقه الى رئاسة تحريرها عزيز ميرزا.


"دار المعارف" رائدة نشر الكتب
لا بدّ من ذكر نجيب متري مؤسس "دار المعارف" في مصر عام 1865، اكثر دور النشر العربية انتشاراً، اذ نشرت دواوين ومؤلفات أشهر الشعراء والأدباء. وورث ابنه شفيق المهمة حتى تأميم الدار.
إن أسماء لمعت في الفكر واللغة والشعر والفلسفة منذ القرن التاسع عشر فشغلت الأوساط الثقافية العربية انطلق فكرها من مصر وانتشر وما زالت أسماؤهم مدعاة فخر واعتزاز، ومن هؤلاء: شبلي الشميّل، فرح انطون، خليل سعادة، ابرهيم اليازجي، محمد رشيد رضا، نجيب الحداد، خليل مطران، يوسف كرم، فليكس فارس، بشر فارس، فؤاد حداد.
يضاف الى هؤلاء: أسعد داغر أحد رموز الحركة الوطنية العربية، جورج انطونيوس الذي تتلمذ كثيرون على العروبة في كتابه "يقظة العرب"، وجميل نخلة المدوّر.
خصّ مروة روّاد الاشتراكية بصفحات غنية لفكر ناشئ، وهم نقولا الحداد المفكر الاشتراكي والباحث في علمي الاجتماع والنفس، رفيق جبور أحد رموز الحركة الشيوعية في مصر، والى جانبه المحامي انطون مارون والنقابي فؤاد الشمالي (أحد المؤسسين الأوائل للحزب الشيوعي اللبناني عام 1924، بعد تأسيس الشيوعي المصري عام 1923)، وكان الثلاثة يناضلون دفاعاً عن الطبقة العمالية ويبذرون فكرهم في النقابات وجريدة "النظام" ذات المنحى الشيوعي. وهؤلاء من طليعة الحركة الاشتراكية.


أسماء مشهورة أو مغمورة
تتردّد أسماء في ذاكرتنا، لم نكن نعرف أنها من أصول لبنانية، وأنها رفدت الفن في مصر بإبداعات على صعد مختلفة، فوسم اسمها هذه النهضة جيلاً بعد جيل: جورج أبيض رائد المسرح العربي في مصر بعد جورج نقاش، ومؤسس "دار الأوبرا" فيها. وفي مسرحياته برز بشارة واكيم في التراجيديا قبل ان يشتهر بأدواره الكوميدية، وضرب المثل بـ"عفش بشارة واكيم". وعزيز عيد تنقّل في العمل المسرحي في حلقة مارون نقاش وسليمان القرداحي وجورج أبيض ونجيب الريحاني وروز اليوسف، وجميعهم لبنانيون.
في الاخراج السينمائي برز هنري بركات الذي أخرج أكثر من مئة فيلم نال بعضها جوائز عالمية، بدأ أعماله مع آسيا داغر. وهي التي أخرجت عبد السلام النابلسي اللبناني من عكار الى أضواء السينما، كذلك أخرجت يوسف معلوف الى الاخراج. محمد سلمان اللبناني الجنوبي أخرج أربعة وثلاثين فيلماً، وتزوج بنجاح سلام، وصف بالعفوية وخفة الدم.
أما اشهر المخرجين فيوسف شاهين الذي أثارت أفلامه الملتزمة، خصوصاً الأخيرة، جدالاً واسعاً قاده الى المحاكم.
أما عمر الشريف (ميشال شلهوب) فأول ظهوره السينمائي ففي فيلم من اخراج شاهين. قبل أن تجذبه هوليوود فيصبح ممثلاً عالمياً. والى جانب هؤلاء برزت أسماء: أمين وسليم عطاالله في العروض المسرحية الشعبية، ورفائيل جبور الذي اشتهر مديراً للانتاج في أكثر من مئة فيلم.
لم تقتصر الريادة على الرجال، بل برزت أسماء نسائية كثيرة نذكر منها، إضافة الى روز اليوسف: هند نوفل التي أسست عام 1892 مجلة "الفتاة" وترأستها، دفاعاً عن حقوق المرأة، وزينب فواز الأديبة الرائدة في حركة تحرير المرأة، ومي زيادة الأديبة الذائعة الصيت خلال القرن العشرين بسبب منتداها الأدبي، وقد وصفها معاصروها بالنبوغ. ووردة ناصيف اليازجي الأديبة والشاعرة، لبيبة هاشم الأديبة التي أنشأت مجلة "فتاة الشرق" وجمعية "نهضة السيدات".
ورائدات السينما والمسرح نذكر منهن: بديعة مصابني متعددة المواهب وذات فرقة فنية. آسيا (الماظة) داغر رائدة في تأسيس شركات إنتاج الأفلام السينمائية في مصر، ولها أيادٍ بيضاء في اخراج أشهر الأفلام المصرية خلال الثلث الثاني من القرن العشرين وأطلقت مجموعة من المخرجين والممثلين والممثلات. ماري كويني ابنة شقيقة داغر الممثلة السينمائية والمنتجة. ماري منيب (ماري سليم حبيب نصرالله) بدأت راقصة وممثلة سينمائية، ثم عملت في التمثيل المسرحي وانضمت الى فرقتي رمسيس ونجيب الريحاني.
علوية جميل (اليصابات خليل مجدلاني) مثّلت في تسعين مسرحية في فرقة رمسيس والمسرح القومي، وفي عدد من الأفلام السينمائية، لور دكاش اشتهرت بالغناء، خصوصاً أغنيتها "آمنت بالله".
صباح شحرورة الوادي أشهر من أن تعرَّف، مطربة ذات صوت صدّاح غنّت مئات الأغنيات ومثّلت في عشرات الأفلام. وفي لبنان شاركت في المهرجانات الغنائية، سعاد محمد من كبار المطربات العربيات، لحّن لها أشهر الملحنين ما يقدّر بثلاثة آلاف أغنية. نور الهدى أطلق عليها لقب "أم كلثوم لبنان" ولحّن لها كبار الملحنين المصريين، مثّلت في أفلام سينمائية، واعتزلت الفن باكراً نجاح سلام اشتهرت بالأغنية الشعبية اللبنانية مثل: "حوّل يا غنّام"، "برهوم حاكيني"، "ميّل يا غزيّل" والاغنيات الوطنية المصرية.
كل هذا التراث الغنائي العربي، خصوصاً النسائي منه، يعود الفضل في انتشاره الى شركة "بيضافون" لمؤسسيها جبران وفرج الله بيضا التي انطلقت عام 1914 بتسجيل أغاني سيد درويش وعبد اللطيف البنّا ومنيرة المهدية. وهي الأرشيف الأقدم والأكبر للأغاني العربية القديمة.
هذا جزء من سيرة اللبنانيين في مصر، وهو ليس باليسير ولا القليل. إذا قرأ المرء الكتاب وقارن الأسماء وأعدادها، والأهم إنجازاتها الكبيرة في المجالات التي عملت فيها، سيكتشف دوراً كبيراً للبنانيين في النهضة العربية انطلاقاً من وادي النيل.


[email protected]