2018 السنة الأكثر جرأة في نهب الآثار المصرية القديمة وبيعها

10 تشرين الثاني 2018 | 15:27

المصدر: "النهار"

قائمة قطع آثار مصرية معروضة للبيع مع خدمة التوصيل الى المنزل.

تنشط خلال السنة الحالية عمليات تهريب الآثار المصرية القديمة وبيعها بصورة غير مسبوقة، ففي لندن تتهيأ إحدى قاعات المزادات لعرض تحف فرعونية للبيع الشهر المقبل، ويأتي هذا بعد أسابيع قليلة من مزاد مماثل أقيم في نيويورك، ورصدت أجهزة الأمن في مصر والعالم العديد من محاولات تهريب وبيع تلك التحف، خلال الأشهر الأخيرة. أما على الإنترنت فتتزايد أعداد المواقع التي تعرض آلاف القطع الفرعونية الأصلية للبيع بأسعار متفاوتة .

وإذ لا توجد إحصاءات موثوقة بأعداد القطع الأثرية المصرية المهربة إلى الخارج، حيث تتم معظم عمليات التنقيب والتهريب والتداول بسرية تامة، إلا أن المعلومات المتاحة تشير إلى أنها تقدر ببضعة ملايين من القطع الأصلية. فعلى سبيل المثال يضم 20 متحفاً في 8 دول غربية (بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا والنمسا وبلجيكا) أكبر تشكيلة من تلك الآثار في العالم، ويتجاوز عددها 700 ألف قطعة، هذا عدا عما يملكه المهربون والتجارة وهواة اقتناء المجموعات الأثرية النادرة.

سرقات تاريخية

ويقول بسام الشماع، المؤرخ وعالم المصريات المعروف لـ"النهار" إن "سرقة الآثار المصرية القديمة بدأت قبل آلاف السنين. لدينا بردية تشير إلى أن أشخاصاً تسللوا إلى المقابر الفرعونية لسرقتها، وكانت المفاجأة أن بينهم اثنين من الأجانب، ومن الواضح أن التاريخ يعيد نفسه الآن".

ويشير الباحث إلى أن "العام سنة 2018 هي الأجرأ في بيع الآثار، وأنا أرصد وأتابع تداولها منذ سنوات، ولم أشعر بأن هناك جرأة كالتي تحدث في العام الحالي، وهي تحتمل أحد أمرين، إما أن هؤلاء المهربين لم يعودوا مهتمين بما قد ينالهم من عقاب، أو أن هناك مافيا كبيرة داخل مصر وأخرى خارجها مرتبطتين معاً، وإلا ما هو تفسير حالة الهستيريا التي سادت العالم مؤخرا لبيع تلك التحف الأصلية؟".

"نحن نرصد العديد من المزادات حول العالم، وهؤلاء التجار باتوا يعرضون مقتنياتهم دون خوف من أعتى أجهزة الأمن في العالم، وهذا يعني أنهم يرون أن بيع الآثار المصرية في هذه المزادات العلنية أمر قانوني" يوضح الشماع.

ويضيف "حين نصرخ ونقول إن آثارنا تباع في الخارج، قد يأتي الرد من أحدهم واضحا: إنكم كنتم تبيعون آثاركم حتى عام 1983".

وعام 1983 أصدرت مصر قانونا يحظر بيع أو شراء الآثار. وقبل هذا التاريخ كانت هناك ثغرات كثيرة تمر منها الآثار إلى خارج مصر بشكل قانوني، مثل حصول بعثات التنقيب الأجنبية على حصة في الخبايا التي يتم اكتشافها.

ويرى الباحث المصري أن "اليونسكو هي المؤسسة المسؤولة عن إعادة الآثار لبلدانها الأصلية، لكن اتفاقيتها عام 1970 قننت الاستيلاء على تلك الآثار"، وطالب "الحكومة المصرية بالانسحاب من هذه الاتفاقية التي تجعل كل الممتلكات الثقافية التي خرجت قبل 1970 قانونية، لأن هذا يعد ثغرة تشريعية يستغلها المهربون وتجار الآثار".




ويضيف: "لا بد أن تحظر هذه الاتفاقية خروج الآثار دون وجه حق من بلدانها، فعلى سبيل المثال في مصر، قدم بعض الحكام دون وجه حق هدايا لدول أجنبية من الآثار المصرية، ومنهم محمد على، وجمال عبد الناصر، ومحمد أنور السادات، وضمن هذه الهدايا معابد فرعونية كاملة، مثل معبد دندور في الولايات المتحدة، ودابود في إسبانيا".

"اتفاقية اليونسكو لم تفعل شيئا لنا" يقول عالم المصريات، " ولم توقف بيع متحف تورثامبتون البريطانى تمثال سخم كا الفرعوني الذي يعود إلى أكثر من 4 آلاف عام، وهذا التمثال لن يظهر مرة أخرى، ولن يستمتع الناس برؤيته، لأن ثريا مجهولا اشتراه بقرابة 140 مليون جنيه إسترليني، ولن يعرضه مرة أخرى".

ويعبر الشماع عن استيائه لأن "الأمر وصل إلى حد إقامة غبريال فاندرفورت، أحد تجار الآثار الأميركيين في كاليفورنيا، معرضا على الانترنت لبيع التحف المصرية القديمة، ليس هذا فحسب، ولكنه يتعامل معها كوجبات الأكلات السريعة، فهو يعرض توصيلها إلى المنزل. لقد رصدت بيع هذا التاجر لأحدى القطع من تل العمارنة، عاصمة أخناتون التي تم تدميرها، بمبلغ 199 دولاراً فقط، وهذه كلفة وجبة غداء لأسرة في مطعم ماكدونالد بأميركا".

ويرى عالم المصريات أن "هذه إهانة كبيرة لتراثنا الحضاري. وماذا كان رد فعل وزارة الآثار المصرية على هذه الإهانة؟ لقد أرسلت قرابة 160 قطعة آثار من عصر توت عنخ آمون، تعرض في متحف موقت استمر لشهور في ولاية كاليفورنيا التي يتخذها فاندرفورت مقرا لبيع آثارنا منذ سنوات".

مافيا ومسؤولون

أحد حراس مزلقانات القطارات في الأقصر -رفض ذكر اسمه- يقول لـ"النهار" إن لديه صلات بمنقبين، ويقول إنه قبل ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، كان يرى سيارات سوداء رباعية الدفع قادمة من الجبل، تحمل الآثار التي يتم التنقيب عنها في تلك المنطقة، وكان المنقبون يبلغونه أن العملية تتم لصالح إحدى الشخصيات الرفيعة المستوى في الحزب الوطني الذي تم حله بعد الثورة، وكانوا يرجحون أنه جمال مبارك، نجل الرئيس الأسبق حسني مبارك.




وفي الأقصر التي كانت تسمى طيبة في مصر القديمة وتعد عاصمة مصر الفرعونية، ما زالت أعمال التنقيب مستمرة، وكذلك تجري عمليات التنقيب في مناطق أخرى من صعيد مصر ومواقع متفرقة في الجمهورية.

وتخضع عمليات التنقيب في الأقصر لمنظومة اجتماعية تعتمد على ثلاثة أطراف، المنقب الذي يمول عملية التنقيب، والوسيط الذي يبيع البضاعة، والشيخ أو إمام المسجد الذي يؤكد أن هذه العملية مباحة شرعاً، كما أنه يتولى فك السحر والتعامل مع الجن الذي يحرس تلك المقابر حسبما يعتقد أهل هذه المناطق.

ويتبع المنقبون في تلك المناطق النائية بصعيد مصر فتاوى المشايخ المحليين على الرغم من أن علماء بارزين في الأزهر ودار الإفتاء المصرية أكدوا في العديد من الفتاوى أن عمليات التنقيب وبيع الآثار لا تجوز شرعاً.

ويقوم المنقبون بتقسيم الأموال المحصلة من بيع الآثار إلى ثلاثة أقسام: ثلث لمن عثر عليها، وثلث للوسيط، والثلث الأخير يوهب لبناء مسجد، أو لعمل خيري، والجزء الأخير من القسمة يسلم للمشايخ الذين ساهموا في عملية النهب.

وعلى الرغم من أن أجهزة الأمن المصرية تمكنت خلال الأشهر الماضية من ضبط عشرات المحاولات للتنقيب وتهريب الآثار، وكثفت جهودها لإعادة الانضباط للدولة التي سادتها الفوضى في أعقاب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، إلا أن انتشار العمليات وسريتها، وتنفيذها في مناطق جبلية وعرة، وداخل جدران بعض المنازل وفي المناطق المنعزلة، يسمح بإفلات نسبة غير قليلة من الآثار المنهوبة، وهو ما يشجع المزيد من المنقبين الذين يجتذبهم حلم الثراء السريع.

"سيكومو" مارد الكرتون

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard