تقرير بنك عوده الاقتصادي عن الفصل الثاني من العام 2018: مكافحة التهرب الضريبي حاجة ملحّة

8 آب 2018 | 15:07

بنك عوده.

في حين شهد لبنان نصف أول من العام حافل نسبياً، تخلّله إقرار موازنة العام 2018 مع بداية السنة لإعادة الانتظام إلى حسابات المالية العامة، وعدد من مؤتمرات الدعم الدولية الناجحة ناهيك عن إنجاز الانتخابات النيابية، إلا أن الاقتصاد الوطني لا يزال في وهن مستمر، بحيث بقيت محركات النمو الرئيسية بطيئة في الإجمال، كما يشهد على ذلك الأداء الضعيف لعدد من مؤشرات القطاع الحقيقي.  

فمن أصل 11 مؤشر للقطاع الحقيقي، ارتفعت 4 مؤشرات بينما تراجعت 7 مؤشرات خلال النصف الأول من العام 2018 بالمقارنة مع الفترة المماثلة من العام السابق. ومن بين المؤشّرات التي سجّلت نمواً إيجابياً نذكر الصادرات التي سجلت نمواً نسبته 9.9%، وعدد المسافرين عبر المطار (+9.3%)، وإنتاج الكهرباء (+5.3%)، وعدد السياح (+3.3%). ومن المؤشرات التي سجلت نمواً سلبياً نذكر مساحة رخص البناء الممنوحة (-17.8%)، وقيمة المبيعات العقارية (-14.0%)، وحجم البضائع في المرفأ (-7.9%)، وعدد مبيعات السيارات الجديدة (-5.4%)، وتسليمات الإسمنت (-4.1%)، والواردات (-3.0%)، وقيمة الشيكات المتقاصة (-2.5%).

عليه، فإن المؤشر الاقتصادي العام الصادر عن مصرف لبنان، وهو انعكاس للأداء الماكرو اقتصادي في البلاد، قد بلغ 314.5 في المتوسط خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 2018، أي بنمو سنوي نسبته 2.5%، وهو أقل من النمو المحقق في الفترة المماثلة من العام 2017 (4.6%) ومتوسط الفترة نفسها من السنوات الثلاث الماضية (3.3%). من هنا يبدو أن الاقتصاد الحقيقي يشهد تباطؤاً لكن دون الوقوع في فخ الركود أو النمو السلبي. يجدر الذكر أن مصرف لبنان قدّر مؤخراً نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2.0٪ للعام 2018 مقابل 2.5% في العام السابق.

في الواقع، في حين لا يزال الاستهلاك الخاص صلباً، تأثر الاستثمار الخاص سلباً بمناخ الترقب والانتظار المهيمن على المستثمرين عامةً. فقد استفاد الاستهلاك الخاص هذا العام من إقرار سلسلة الرتب والرواتب وأثرها على الإنفاق الاستهلاكي بين مستخدمي القطاع العام. في المقابل، ظل الاستثمار في لبنان يتأثر سلباً بمناخ التريث والحذر السائد بين المستثمرين، كما يستدل من خلال التراجع في التسليفات المصرفية للقطاع الخاص وسط ندرة في فرص التسليف.

على مستوى القطاع الخارجي، ووسط نمو نسبته 7% في التدفقات المالية الوافدة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 2018 بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام السابق والذي قلّص على أثره العجز في ميزان المدفوعات، سجلت الوضعية الخارجية تحسناً نسبياً خلال الفترة المذكورة. إن التدفقات المالية الوافدة والتي جاءت أقل من العجز التجاري في السنوات القليلة الماضية، غطته تقريباً بمعظمه خلال الأشهر الخمسة من العام 2018. فقد زادت التدفقات المالية الوافدة إلى لبنان من 6,647 مليون دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 2017 إلى 7,090 مليون دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 2018. في موازاة ذلك، تراجع العجز التجاري بنسبة 5.2% وسط نمو سنوي في الصادرات نسبته 9.9% وتراجع في الواردات نسبته 3.0% خلال الفترة نفسها.

هذا وفي ظل ارتفاع طفيف في التدفقات المالية، كان النشاط المصرفي مقبولاً في الإجمال، مع نمو جيد في الودائع رافقه نمو سلبي في حركة التسليف. إذ بلغ نمو الودائع المصرفية 4.7 مليار دولار خلال النصف الأول من العام 2018، وذلك قريباً نوعاً ما من نمو الفترة المماثلة من العام الماضي، في حين سجلت محفظة التسليفات انخفاضاً صافياً قدره 0.1 مليار دولار خلال الفترة نفسها للمرة الأولى في السنوات الأخيرة. وخلافاً للعام الماضي حين كان النمو الإجمالي للودائع المصرفية مدفوعاً بالكامل بالودائع بالعملات الأجنبية، فإن نمو الودائع هذا العام كان موزعاً بالتساوي على الودائع بالليرة والودائع بالعملات الأجنبية، ما أدى إلى تراجع في نسبة دولرة الودائع من 68.7% في نهاية العام 2017 إلى 68.4% في نهاية حزيران 2018.

هذا وترافق الوهن الاقتصادي في النصف الأول من العام مع تطورات سلبية في أسواق الرساميل. فعلى صعيد سوق الأسهم الرساميل، انخفضت أسعار الأسهم المدرجة في بورصة بيروت بنسبة 7.9% في النصف الأول من العام 2018 في ظل انخفاض القيمة الإجمالية لعمليات التداول بنسبة 47.3% على أساس سنوي. أما على صعيد سوق سندات الدين، فإن هوامش مقايضة المخاطر الائتمانية من فئة خمس سنوات، وهي مقياس لنظرة الأسواق الى المخاطر السيادية، قد اتسعت من 521 نقطة أساس في نهاية العام 2017 إلى 723 نقطة أساس في نهاية حزيران 2018، أي باتساع مقداره 202 نقطة أساس، قبل أن تتحسن نسبياً في شهر تموز.

مكافحة التهرب الضريبي حاجة ملحّة

في حين يُعتبر موضوع الإصلاح المالي حاجة ملحّة لمناعة الاقتصاد والأسواق في لبنان على المديين المتوسط والطويل الأجل، تبرز تساؤلات متزايدة حول أي توجه يجب أن تسلك الجهود الإصلاحية الأساسية في بلد يحتل المرتبة الثالثة عالمياً من حيث نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي ويقع ضمن العشر الأول حول العالم من حيث نسبة العجز المالي العام إلى الناتج المحلي الإجمالي.

لا شك بأن نسبة تعبئة الموارد في لبنان (أي نسبة الإيرادات العامة الفعلية إلى الناتج المحلي الإجمالي) والتي وصلت إلى 20٪ خلال العام الماضي، تعدّ منخفضة مقارنة بالمعايير الدولية (36٪ في الاقتصاديات المتقدمة و26٪ في الأسواق الناشئة والاقتصاديات النامية). ويعزى ذلك جزئياً إلى أن لبنان يتمتع بمعدلات ضريبية أقل نسبياً، ولكن الأهم من ذلك أنه يرتبط بفجوة التهرب الضريبي المهمّة التي يعاني منها لبنان. هذا وفي حين يصعب رفع نسب الضرائب في اقتصاد يعاني من وهن في مناخ القطاع الحقيقي، فإن تعزيز نسب تعبئة الموارد يجب أن يأتي عن طريق مكافحة التهرب الضريبي، وهو ضرورة أساسية لأي سيناريو هبوط آمن في أوضاع المالية العامة في لبنان.

في الواقع، نقدّر حجم التهرب الضريبي في لبنان بحوالي 5 مليارات دولار في العام 2017 أي ما يوازي 10% من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا التهرب الموازي للعجز المالي العام في لبنان متأتي بشكل خاص عن التهرب من عدد من الضرائب، منها ضريبة الدخل والضريبة على القيمة المضافة وإيرادات مؤسسة كهرباء لبنان والرسوم العقارية والجمركية.

يتأتى أكبر مصدر للتهرب الضريبي في لبنان عن ضرائب الدخل التي تقدر بحوالي ملياري دولار، أي ما يعادل 3.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي تتأتى بشكل رئيسي عن التهرب الضريبي على الأجور والأرباح. تجدر الإشارة إلى أن تقديرات التهرب الضريبي على الأجور تستند إلى إجمالي الأجور التي تشكل ما نسبته 35٪ من الناتج المحلي الإجمالي وبمتوسط معدل ضريبة بحدود 10٪، مما يترتب على ذلك ضرائب ممكن تحصيلها على الأجور تناهز 1.5 مليار دولار، في حين يصل التحصيل الفعلي إلى 0.6 مليار دولار فقط، مما يعني أن التهرب الضريبي على الأجور يناهز 0.9 مليار. وفيما يتعلق بالضرائب على الأرباح التي تمثل ما نسبته 30٪ من الناتج المحلي الإجمالي، يقدر التهرب الضريبي هنا بمليار دولار، وذلك بعد استثناء الضريبة التي سدّدتها المصارف على أرباحها من عمليات الهندسات المالية والتي تقدر بنحو 775 مليون دولار.

المصدر الثاني للتهرب الضريبي يرتبط بالضريبة على القيمة المضافة التي تقدر بحوالي 3٪ من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل 1.5 مليار دولار. ويشير تحليل فجوة الضريبة على القيمة المضافة من قبل صندوق النقد الدولي إلى تآكل لافت للضريبة على القيمة المضافة مع مرور الوقت. ويقيس تحليل صندوق النقد الدولي الفجوة الإجمالية بين إيرادات الضريبة على القيمة المضافة المحصلة فعلياً والإيرادات الممكنة بموجب الضريبة على القيمة المضافة المطبّقة بشكل كامل على الاستهلاك. وعلى وجه الخصوص، تقدّر فجوة الامتثال للضريبة على القيمة المضافة تأثير الامتثال غير الكامل في النظام الضريبي الحالي. وبما أن هيكلية الاقتصاد اللبناني موجهة نحو الاستهلاك الخاص والحصة المرتفعة للواردات، فإن المكاسب الممكنة من تعزيز تعبئة إيرادات الضريبة على القيمة المضافة تعتبر مهمة.

المصدر الثالث للتهرب الضريبي يتعلق بالرسوم الجمركية. فعلى أساس متوسط رسوم جمركية بنسبة 13٪ على فاتورة الاستيراد البالغة 20 مليار دولار، ينبغي أن تصل الرسوم الجمركية الممكن تحصيلها إلى ملياري دولار، في حين أن الرسوم الفعلية المحصّلة تصل إلى 1.5 مليار دولار، مما يعني أن فجوة التهرب الضريبي على الرسوم الجمركية تصل إلى 0.5 مليار دولار، أي ما يعادل 1٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

المصدر الرابع للتهرب الضريبي يرتبط بفواتير الكهرباء غير المسددة والسرقة من خلال تعليق الكهرباء غير الشرعي. وتقدر الفجوة هنا بـحوالي 0.7 مليار دولار، وهي تمثل حوالي 40٪ من إيرادات الكهرباء الممكن تحصيلها من قبل مؤسسة كهرباء لبنان. ويمثل التهرب هنا حوالي 54٪ من تحويلات الخزينة العامة إلى مؤسسة كهرباء لبنان في العام الماضي، والتي تقدر بحوالي 1.3 مليار دولار عن العام 2017.

أما المصدر الخامس للتهرب الضريبي فهو يتعلق بالضرائب على الأملاك العقارية، وهي مرتبطة بتخفيض قيمة الأملاك في السجلات العقارية، بحيث تشير التقديرات إلى أن العقارات تُسجل بحوالي 20٪ أقل من قيمتها الفعلية. عليه، فإن التهرب الضريبي على الأملاك العقارية يقدّر بحوالي 0.2 مليار دولار، أي ما يعادل 0.4٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

أخيراً، وعلى أساس تقديرات للتهرب الضريبي على جميع الفئات الأخرى بنسبة 5٪ من الناتج المحلي الإجمالي (أي 1.8 مليار دولار)، يمكن إضافة ما قدره 0.2 مليار دولار إلى تقديرات إجمالي التهرب الضريبي، أي ما يعادل 0.4٪ من الناتج المحلي الإجمالي، والتي تتأتى بشكل أساسي عن التهرب من الضرائب غير المباشرة، كفواتير الاتصالات السلكية واللاسلكية والرسوم الإدارية.

في الختام، يشير التحليل المذكور أعلاه إلى أن أي سد جزئي لفجوة التهرب الضريبي يمكن أن يؤدي إلى تحسن لافت في أداء المالية العامة. وبما أن الدولة اللبنانية قد تعهدت بتخفيض العجز المالي العام بنسبة 5٪ من الناتج المحلي الإجمالي على مدى السنوات الخمس المقبلة، فإن سد ربع فجوة التهرب الضريبي خلال هذه الفترة من شأنه أن يضمن ما لا يقلّ عن نصف الجهد الإصلاحي المرجو الذي يحتاج لبنان إلى تحقيقه خلال نصف العقد القادم لضمان سيناريو الهبوط الآمن في أوضاع المالية العامة والتي لا تزال تشكل أحد أبرز عناصر الهشاشة في الاقتصاد اللبناني في وقتنا الحاضر.

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard