خالدية أمٌ... لا يعني لها العيد شيئاً!

20 آذار 2016 | 10:36

المصدر: "النهار"

"ليس من عاداتنا الاحتفال بعيد الأم... إنه بالنسبة لي يوم عمل عادي"، هكذا تجيب خالدية، المرأة الخمسينية العاملة من الفجر الى النجر لتأمين حاجات عائلتها، عن سؤال: ماذا يعني لك عيد الأم؟

"لم نحتفل به مع أمنا في الماضي، ولا أحتفل به اليوم، لا هدية ولا باقة زهور ولا زجاجة عطر ولا شيء... ربما تأتيني إحدى ابنتيّ بزهرة برية وهي تضحك محاولةً تقليد ما تراه على التلفزيون بشكل تمثيلي... فهما لم تريا أنني أهتم بهذا العيد مع أمي، ولا إمكاناتهما المادية تسمح لهما بأي شيء غير الاهتمام بحاجاتهن الشخصية".

خالدية عثمان، المقيمة في بيت أرضي صغير في قرية شويّا المتنية، تقول في حديث الى "النهار"، إنها اعتادت منذ طفولتها الإعتناء ببساتين الخضر والفاكهة، وكروم العنب والتين والتفاح في المنطقة. هجر والدها قريته في القرنة- عكار، وانتقل الى شويا مع زوجته، وهي ابنة القرنة أيضاً، للعمل لدى أحد الملاكين الكبار في المنطقة من آل الجميل والاهتمام ببساتينهم. ولدت خالدية وأخوتها في شويا، وعددهم خمسة: صبيان وثلاث بنات. درست أربع سنوات من المرحلة الابتدائية في مدرسة المحيدثة الرسمية، وما لبثت أن انضمت الى والديها في العمل بالأرض، وفي تربية الدواجن والماعز والأبقار. "لم أعرف اللعب مع بنات جيلي ولا ذقت طعم اللهو والتسلية، فالحياة صعبة والعائلة كبيرة تحتاج إلى عمل الجميع للقيام بحاجاتها".

مع مرور الوقت، وظروف الحرب التي مرت على البلد، تفككت العائلة، وذهب كل فرد من أفرادها في اتجاه. توفي الوالد، وتزوج أخوتها جميعهم وتركوا المنطقة، وبقيت هي في مكانها وأمها معها، تتابعان العمل الذي واظبتا عليه طويلاً. تزوجت وهي في الثلاثين من عمرها شاباً من قرية القرنة أيضاً وأقام معها في شويا، وأنجبت ابنتين، إلا أن زوجها ما لبث أن تزوج امرأة أخرى وغادر الى عكار وتركها بلا معيل، ويعود إليها بين حين وآخر متسلطاً ليأخذ منها بعض المال. فهي شمّرت عن زنديها، وراحت تعمل في تنظيف البيوت، فالأراضي الزراعية في المنطقة تضاءلت كثيراً، وبالكاد تعثر على بساتين يمكن أن تعمل لدى أصحابها. اقتنت بقرة تدر لها الحليب لتفيد من إنتاجها، وكذلك أنشأت قن دجاج لتفيد من بيضها "إلا أن الثعلب أكلها دجاجة تلو الأخرى... وبطّلت هالشغلة".

تروي خالدية عن يومياتها كالآتي: "أستيقظ عند الخامسة والنصف فجراً، أشرب ركوة قهوة وبعض السجائر، ثم أتوجه الى البقرة أحلبها. أضع الحليب في البراد. أهتم بالبيت عَالسريع، وأذهب للعمل في أحد البيوت، وعندما أعود، أطبخ وأغسل وأهتم بالحليب، أفوّر الذي لم يباع في ذلك اليوم وأروّبه لبناً للبيع أيضاً، والذي لا يباع أعمله لبنة".

لدى انصرافها صباحاً إلى العمل، ويكون الطقس صاحياً، تصطحب البقرة الى بورة خضراء في الجوار وتربطها الى شجرة حيث تمضي النهار كله تأكل من الأعشاب البرية. وعندما تعود من العمل تفك قيد البقرة وتسيران معا إلى البيت. وتهتم خالدية سنوياً بتعشير بقرتها بواسطة إبرة تلقيح من طبيب بيطري من أجل الإنجاب. وعندما تحبل وتلد، تحتفظ بالعجل الصغير نحو ثلاثة أشهر وتبيعه.

ماذا عن ابنتيها جيهان ورنى؟ تجيب: "وضعتهما في مدرسة داخلية للراهبات في بسكنتا، ويأتيان كل نهاية أسبوع وعطلة الى البيت". وماذا عن أمها؟ "هي مريضة، وأخوتي الشباب لا يهتمون بحاجاتها، فقط شقيقتي يفعلن، وهي اليوم عند إحداهن".

نحيفة جدا خالدية، لكنها ديناميكية وتعمل كالنحلة التي لا تهدأ. وإذا سألتها عن صحتها تجيب: "ما تسألي... معي سكري، وضغط، وكوليسترول وتريغليسريد، وآخذ أدوية لهذه الأمراض وآخر للأعصاب". تشتري أدويتها من أحد المستوصفات بنصف سعرها، وإذا لم يتوافر تشتريه من صيدلية.
لا تتوقف عن العمل هذه المرأة المكافحة بعناد من أجل تأمين أودها وأود عائلتها وحاجاتها الصحية والإنسانية. لا تعرف يوم عطلة أو عيد، بل تستجيب لكل نداء عمل كلما توّفر. ترفض أن تخفف عن نفسها التعب قائلة: "لا أريد أن تتبهدل بناتي، أريدهن متعلمات ويجدن عملاً محترماً"، وتضيف: "ما بدي ياهن يطلعوا متلي، أنا تبهدلت كفاية، وما بدي ياهن يتبهدلوا متلي".

ولكن في عيد الأم ارتاحي قليلاً، استمتعي به... "ما في وقت"، تقول وتؤكد: "ما في وقت... بيقولو الدنيا أم، بس ما بعرف شو معنى هالكلام... يمكن غيري بيعرف"، وما تلبث أن تضحك وهي تقول: "بركض بركض والعشا خبيزة"، واضعة يدها على فمها تخبىء بها أسنانها المكسورة أو المفقودة... "وربما لبن ولبنة".

nicole.tohme@annahar.com.lb
Twitter: @NicoleTohme

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard