الفوضى قبضت على الشارع: هل يستسلم التحرك؟

24 آب 2015 | 00:57

المصدر: "النهار"

تصوير مروان عساف.

لم تثنِ الشمس الحارقة طيلة يوم الأحد المتظاهرين عن التوافد الى ساحة رياض الصلح للتعبير عن الغضب المضاعف جراء ما تعرضوا له مساء السبت من عنف مفرط على أيدي القوى الأمنية. بدت أحداث الساعات الخمس العاصفة يوم السبت بمثابة نقطة تحوّل في التحرك الذي بدأ خجولاً منذ أسابيع بدعوة من مجموعة "طلعت ريحتكم" التي استقطبت الناقمين على ادارة السلطة أزمة النفايات في عالمي "تويتر" و"فايسبوك" وحاولت تحفيزهم على النزول الى الشارع ومطالبة السلطة بايجاد الحلول الفورية.

أحداث الأحد شهدت تحوّلات دراماتيكية، مع تكرر مشهد المواجهات بين المتظاهرين والقوى الامنية، ودخول من وصفوا بـ"#المندسين" المنتمين الى احزاب تريد اجهاض التحرك، وتفلُت مشاركين غاضبين من حالهم الاجتماعية في التحرك من رؤية المنظمين له ورفضهم مجاراة السلوك #السلمي.

 

رصاص معنوي

أطلقت هذه العوامل رصاصاً معنوياً على التحرك ولعلّ المشهد الموجع والبالغ الدلالة على ما آلت اليه الامور تمثل في توجيه اتهامات الى مناصرين لـ "حركة امل" حاولوا ازالة الاسلاك الشائكة لبلوغ القصر الحكومي، في مقابل أخبار عاجلة كانت ترد على الهواتف عن اعمال قطع طرق في مناطق كخلدة والسعديات وسعدنايل تضامناً مع رئيس الحكومة، ليبلغ المشهد ذروة سوريالته مع خطف التحرك الشبابي ومحاولة تحويله حرباً سنية شيعية!

أمام هذا المشهد واستمرار تساقط الاصابات جراء الاشتباكات بين المتظاهرين "المندسين" والآخرين المتفلتين من قرار المنظمين وبين القوى الأمنية، وانتقال عمليات الكر والفر من ساحة رياض الصلح الى شارع العازارية، اتخذت مجموعة "طلعة ريحتكم" قرار الانسحاب من الشارع مساء الاحد على ان تعود اليه الاثنين. وعلى رغم القرار بقيَ آلاف المتظاهرين السلميين متجمعين حتى ساعة متأخرة في ساحة الشهداء يترقبون مسار الأمور.

 

خيبة وانتصار

لدى محاورتهم، كان يمكن رصد خيبة وانتصار لديهم في آن، الخيبة من غياب قيادة صلبة للتحرك ممسكة بالشارع ومن سهولة تمكن المندسين تخريب التحرك، والانتصار في تمكنهم من تحريك المياه الراكدة والاثبات ان الشعب رغم كل المآسي والقهر لا يزال حياً.
في ساحة الشهداء، كانت سيّدة ستينية تطلق الاهازيج الشعبية ضد #الزعماء وتحكي قصة هجرة اولادها فيما يتحلق حولها شبان، أحدهم عاطل عن العمل يرد على السيدة قائلاً "سألحق بأولادك في أول فرصة".

هناك ايضا كانت الشابة مايا مخايل (23 سنة) والى جانبها صديقها ايلي واكد (25 سنة)، يؤكدان تصميمهما على البقاء في الشارع وتلبية الدعوات الآتية مواجهة "لمن خرّب التحرك ولمن أراد ان يوصل صورة عبر الشاشات ان التحرك بات للزعران". بالنسبة اليهما "لم يعد الامر يتعلق بالنفايات بل ان النقمة ناتجة عن تراكم فشل السلطة ولذا أقل المطالب هو استقالة الحكومة والذهاب الى انتخابات نيابية بقانون عادل يوصل من يمثلنا الى السلطة".
فيديل (34 سنة) قال: "يريدون سلب ثورتنا بسهولة واقناعنا ان الاحباط هو قدرنا ...لا يجب ان نسكت على الامر"، مضيفاً "نحن متظاهرون سلميون نرفض ايذاء قوى الامن وندعوها الى القبض على المندسين والى حمايتنا".
على مقربة من الحشد الشبابي، سارع الصليب الاحمر الى انشاء خيمة ميدانية لمعالجة الجرحى الذين تقاطروا بالعشرات، واغلب الاصابات التي عايناها كانت بسيطة، لكن الخبر المفجع تمثل بتداول معلومة عن سقوط شاب برصاص لم يعرف مصدره. وأعلنت قوى الامن الداخلي عن جرح العشرات من عناصرها في المواجهات مع المتظاهرين. 

 

مطالب جديدة

  نظمت مجموعة "طلعت ريحتكم" التي يبلغ عدد متتبعي صفحتها في "فايسبوك" نحو مئة ألف، أكثر من تحرك منذ بدء أزمة النفايات، كان في كل مرة يضم أعداداً جديدة، حتى اذا ما حلّ عصر السبت 22 آب، كان الآلاف قد تجمعوا في الشوارع المحيطة بالسرايا الحكومي ومجلس النواب، ليقع الاصطدام المروّع مع القوى الامنية ويوقع عدداً من الجرحى.
لعب الاعلام دوراً في تحفيز هذا التحرك الشعبي الذي ذكّر في كثير من ماهياته وشعاراته بحملة "اسقاط النظام الطائفي"، وكانت العدسات المسلطة على العنف الممارس ضد المتظاهرين تستدعي ادانات متسارعة ومتسعة من الرأي العام الذي بقي في غالبيته معارضاً أو متضامناً في منازله مراقباً التحرك.

أحداث مساء السبت كانت أيضاً بمثابة محطة فاصلة لأهداف المجموعة المنظمة، ففي حين كان يعترض المنظمون في تحركات سابقة على رفع شعار "اسقاط النظام" وغيره من الشعارات التي تذكر بمآل حملة "اسقاط النظام الطائفي"، سارع المنظمون عينهم الى اعتبار العنف الممارس ضد المتظاهرين سبباً لاعادة قراءة مطالبهم التي كانت تقتصر على ايجاد حل لأزمة #النفايات، وتوسعة بنك الأهداف ليشمل المطالبة باسقاط الحكومة والمطالبة بحل المجلس النيابي والدعوة الى #انتخابات وفق قانون انتخابي عادل لا يكرس المكرس ويعطي فرصاً جدية لوصول طبقة سياسية جديدة، او تشكيل كتلة وازنة في المجلس عابرة للمناطق والطوائف، وفق أمير فقيه أحد المنظمين.

استقر رأي المنظمين مساء السبت على بقاء الاعتصام، وما ان شرقت شمس الأحد حتى تقاطر محتجون الى مقربة من السرايا الحكومي وأخذت الاعداد تتزايد طيلة النهار وسط اجواء حماسية وهتافات وتغطية اعلامية مكثفة.

 

صباح الأحد

صباح الأحد، كان يمكن رصد طغيان العنصر #الشاب على المتظاهرين الآتين من مناطق مختلفة، يحكون عن همومهم الاجتماعية والسياسية المتنوعة ويرفعون أسقف توقعاتهم، وأهدافهم من المشاركة في التحرك. ربيع هبري (27 سنة) شبّه ما يحدث بـ"كرنفال ديموقراطي"، وهو حمل صندوق #اقتراع  ودعا على أنغام "انا بتنفس #حرية" المتظاهرين الى التصويت لما او لمن يشاؤون، فكتبت احداهن "أصوّت لدولة غير فاشلة تليق بأبنائي ولا تهجرهم".

لا يعرف بعض من تحدثنا اليهم الكثير عن هوية الداعين الى التحرك، بالنسبة اليهم "الامر تفصيل فالمهم ان نكون في الشارع لأن عنوان التحرك يمثلنا"، فيما يرى بعض آخر ضرورة ولادة قيادة موحدة تتفاوض مع السلطة باسم المتظاهرين، ومن أصحاب هذا الرأي الفنانة تانيا صالح التي تقول ان التحرك ولد عفوياً ولا يزال حتى اللحظة يتسم بالعفوية والشعبوية والمطلوب اتخاذ خطوات تنظيمية عبر التوافق على قيادات عاقلة تفاوض حول مطالبنا.
ويشاطر رئيس التيار النقابي المستقل حنا غريب هذا الرأي، قائلاً "يجب ولادة قيادة من المتظاهرين وتوطيد اواصر التنسيق بين المجموعات المختلفة وتركيز العمل على المناطق لتكون رافداً للتحركات المركزية"، ويعتقد غريب أيضاً بأهمية تحديد أهداف التحرك وحماية التحرك من الطوابير المندسة ومحاولة الاحزاب تخريبه.

يحمل المنظمون هذه الهموم، ويقول فقيه "اننا لا نملك الادوات لمعرفة المندس من غير المندس الا من خلال المظهر والسلوك، والناس لم تعد تنطلي عليها هذه الأمور، فبات كل متظاهر حقيقي يفتح العينين وعدسة كاميرا هاتفه لرصد #الطوابير المندسة، وقد رصدنا العديد منهم في تظاهرة السبت وهم ينتمون الى #حركة_ أمل، وهدف تخريب التحرك واضح، كما طلبنا من عدد من مناصري "التيار الوطني الحر" الا يحملوا الأعلام الحزبية في التحرك، الامر الذي ازعج بعضهم ودعاه الى مغادرة التحرك".
ويحكي أمير عن عروض مالية تلقاها التحرك من احد رجال الاعمال لتمويله، لكنه رفضها مصمماً على اكمال سياسته بالتمويل عبر التبرعات.
وكيف تتم آلية اخذ القرار في الحملة؟ يجيب "نعقد اجتماعات في #المجموعة، وأخرى مع مجموعات و#مستقلين مشاركين في التنظيم ونتخذ القرار المناسب".
وماذا عن قرار الانسحاب من الشارع وهو الأمر الذي لم يرضِ كثيرين من المتظاهرين "ارتأينا حقن الدماء بعد تمادي المواجهات ودخول مندسين على الخط". وكشف الناشط عماد بزي من الحملة عن استهدافه "من قبل #بلطجية منظمين أتوا لإفتعال الشغب وتخريب التحرك، وتم نقلي الى مكان آمن تحت حماية الشباب المتظاهرين"، محملاً السلطة مسؤولية "غضب الناس". ومقولة الغضب عميقة بالنسبة لمتظاهرين دعوا الى عدم المبالغة في الحديث عن مندسين، فـ"الغضب كان محركاً اساسياً بالنسبة لشبان احياء يبحثون عن متنفس للتعبير عن سوء حالهم". 

 

 حلم وكابوس

في المحصلة، انطوى مشهد أحداث نهاية الأسبوع على حلم جميل وكابوس في آن، تمثل الحلم في مشهد رصدته العين لآلاف الشبان المنتمين الى طوائف ومناطق وطبقات اجتماعية مختلفة نزلوا ليطالبوا بوطن مختلف، حملوا شعارات فضفاضة تعبّر عن تطلعات طموحة، أخبرونا انهم مستعدون للبقاء في الشارع متمنين ان يوجد من يتمكن من ادارة هذا الشارع وحمايته والتفاوض مع السلطة على المطالب المحقة. أما الكابوس الأبشع فتمثل في استشراس الطائفية السياسية للقبض على التحرك المدني، هكذا أصدر فجأة نائبٌ عكاريٌ بياناً يعلن فيه الاستعداد "للنفير" دفاعاً عن السرايا الحكومي، وقبلها انتشرت اخبار عن اندساس مناصري أحزاب تنتمي الى الشيعية السياسية في التظاهرة لتخريبها. ويبقى السؤال هل يستسلم التحرك أمام أنياب النظام العنيد أم يلتقط اللحظة فيسارع الى التنظيم ودرس الخطوات من دون العودة الى الوراء متلقفاً وعي الكثيرين من المتظاهرين للمؤامرة التي حيكت وتحاك.

تقول الفنانة تانيا صالح "لم يعد لديّ ما أخسره، اليأس يحاصرنا ولا يجب ان ندعه يحاصر الاجيال الآتية... مستعدة للموت ليكون هناك وطن أفضل لأبنائي، ومثلي كثيرون، مع تأكيدنا على سلمية التحرك...لا يجب ان نستسلم فالامر سيكون حينها أسوأ".

 

diana.skaini@annahar.com

@Dianaskaini

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard