الأربعاء - 27 تشرين الأول 2021
بيروت 21 °

إعلان

كيف أطلقت انتخابات العراق مسار التغيير؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
ناخبة عراقية في محافظة البصرة - "أ ف ب"
ناخبة عراقية في محافظة البصرة - "أ ف ب"
A+ A-

سجّلت الانتخابات التشريعية الأخيرة في العراق أدنى نسبة مشاركة منذ سنة 2005. بالنظر إلى المنحى التنازلي المتعاقب لنسبة الإقبال على صناديق الاقتراع منذ تلك السنة، قد لا تكون النتيجة مفاجئة، خصوصاً أنّ استطلاعات الرأي كانت تتوقّع إحجاماً كبيراً عن المشاركة. ودعت فئات واسعة من مجموعات تشرين – نسبة إلى شهر تشرين الأول 2019 الذي شهد اندلاع التظاهرات ضد حكومة عادل عبد المهدي – إلى المقاطعة بسبب تعرّض الناشطين لعمليات اغتيال وقمع ممنهجة. أدّى استهداف الميليشيات للمتظاهرين إلى سقوط حوالي 600 قتيل وآلاف الجرحى. كان ذلك كافياً للدعوة إلى المقاطعة.

هذا ما تؤكّده لـ"النهار" الصحافية ومحلّلة شؤون الشرق الأوسط زينب مهدي: "إنّ الناشطين، على الرغم من الدعوة إلى انتخابات مبكرة، دعوا إلى المقاطعة بسبب موجة الهجمات القاتلة ضدّ الناشطين المؤيّدين للديموقراطيّة في العراق. ونتيجة لهكذا أحداث، دعا الناشطون المنخرطون في حراك تشرين (أكتوبر) إلى مقاطعة انتخابات أكتوبر البرلمانية، بما أنّ المرتكبين لم يعاقَبوا".

 

خرق

بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة 41% وفقاً للأرقام الرسمية. مع ذلك، تتحدّث أرقام أخرى عن نسبة 38%. في 2018، بلغت نسبة المشاركة حوالي 44%. لكنّ محلّلين أشاروا إلى تعرّض تلك الأرقام للتلاعب إذ يرجّح البعض ألّا تكون قد تخطت النسبة الفعلية منذ ثلاث سنوات 30%. إذا كان ذلك صحيحاً فالصورة تتبدّل إلى حدّ ما. ستكون حكومة مصطفى الكاظمي قد نجحت باجتذاب فئات كثيرة مستاءة إلى صناديق الاقتراع هذه المرّة. لكن لهذا النجاح حدوده. ففي جميع الأحوال، لم ينجم عن حراك تشرين والتضحيات التي بذلها التغيير المتوقّع من هكذا انتفاضات. بالتوازي، برز أيضاً ما لفت الأنظار أكثر.

لقد امتنع عراقيون كثر عن التصويت على الرغم من دعوة آية الله العظمى السيد علي السيستاني الناخبين للتوجّه إلى صناديق الاقتراع. يطرح هذا الواقع سؤالاً عمّا إذا كانت مرجعيّة النجف قد فقدت تأثيرها الوطنيّ. سيكون ذلك استنتاجاً متسرّعاً في أفضل الأحوال. فعلى الرغم من نسبة المقاطعة الكبيرة، لا يمكن حذف خيارات العراقيين الذين صوّتوا، من العوامل المشكّلة للمشهد الانتخابيّ العام في العراق. إنّ رفض غالبية العراقيين لتحالف "الفتح" الموالي لإيران يمكن أن يشكّل استجابة لدعوة ضمنيّة من السيستاني إلى عدم التصويت لهذا التحالف. علاوة على كلّ ذلك، فازت لائحة "إشراقة قانون" وهي حركة حديثة الولادة تجد جذورها في مرجعيّة النجف بستة مقاعد.

 

تظاهرات أخرى في المرحلة المقبلة؟

ثمّة ما هو نمطيّ في الانتخابات العراقيّة. بعد كل استحقاق من هذا النوع، تنتشر الاضطرابات والتظاهرات في الشوارع للمطالبة بإصلاحات اقتصادية ومعيشية. هذا ما حصل بعد حوالي عام على انتخابات 2010 و 2014 و 2018. لا شكّ في وجود دلالة مكثّفة المعاني في تكرّر هذا المشهد: إنّ الانتخابات عاجزة عن تحويل غضب العراقيين ومطالبهم من الشارع إلى المؤسّسات، فتعود وتنفجر مجدّداً في الشارع.

معنى ذلك وجود نقطة عطب كبيرة في النظام لا في الانتخابات وحسب. نقط العطب الجوهريّة هذه ساهمت على الأرجح في تخفيض نسبة الاقتراع مجدداً. سؤال آخر تستدعيه هذه الظاهرة أساسه ما إذا كان بالإمكان توقّع تظاهرات جديدة في المدى المنظور كما حصل في السابق. والجواب الأوّليّ يبدو واضحاً إلى حدّ كبير. الاحتجاجات متوقّعة بحسب مهدي.

"نعم، أتوقع رؤية جولة أخرى من التظاهرات خصوصاً إذا لم تتمّ تلبية مطالب الإصلاح لدى المتظاهرين واستمرّ سقوط الناشطين بين قتيل وجريح على يد القوات الأمنية". في الواقع، ثمّة ما هو أبعد من مجرّد تكرّر المشاهد الاحتجاجيّة. إذا استمرّ انسداد الأفق بالنسبة إلى آليّة عمل النظام لن يكون ازدياد الزخم في الشارع مفاجئاً. تضيف مهدي: "أتوقّع أن تزداد طاقة الاحتجاجات حدّة إذا لم تتعاون الحكومة مع المتظاهرين، وعانت في تقويض نفوذ الميليشيات المدعومة من إيران، وإنهاء الفساد".

 

بداية الطريق

ترى الأكاديمية غير المقيمة في "معهد الشرق الأوسط" حفصة حلاوة أنّ العراقيين دون الثلاثين من العمر يشكّلون الغالبية الساحقة من المواطنين العراقيين، حيث نزلت هذه الفئة إلى الشوارع بمئات الآلاف سنة 2019 وهي تشكّل اليوم عصب المجتمع المدنيّ. هذه الفئة هي التي قرّرت الابتعاد عن الطبيعة الفاسدة والعنيفة والطائفية للسياسات العراقية التي تطبّقها النخبة المترسّخة في الحكم. وتشير إلى أنّه على الرغم من الصراع السياسيّ بين مؤيّدي ومعارضي المشاركة في الانتخابات ضمن حراك تشرين، حقّق كلا الطرفين نتائج بارزة، حيث يمكن أن تزداد أعداد النواب التي يمكن أن توصلها هذه الفئة إلى البرلمان خلال الاستحقاقات المقبلة.

أن يكون الشباب العنصر الأكثر فاعليّة في الديناميّات السياسيّة العراقيّة خلال السنوات الأخيرة فهذا يجعل الأخطاء الناجمة عن الحماس الزائد أمراً بديهيّاً. من الطبيعيّ سيادة شعور لدى بعض الفئات الشابة بضرورة مقاطعة الانتخابات كجزء من مقاطعة النظام ككلّ. في نهاية المطاف، لا يمكن إنكار وقوع العراق في دوّامة من الشرخ التصاعديّ بين المطالب الاجتماعيّة من جهة وبنية الحكم من جهة أخرى، والتي يبدو أنّ الانتخابات عاجزة عن تجسيرها.

لكن أن يكون الشباب العنصر الأكثر فاعليّة في الديناميّات العراقيّة يعني أيضاً أنّ إمكانيّة تصحيح الأخطاء متوفّرة بشكل أسرع في الاستحقاقات المقبلة. بداية، حقّق حراك تشرين إنجازاً كبيراً عبر تصحيح قانون الانتخابات. إنّ تظاهرات مستقبليّة أخرى لو حدثت يمكن أن تحقّق خرقاً إضافيّاً لصالح المحتجّين.

بعد النتائج التي حقّقتها القوى العراقية الناشئة في الانتخابات الماضية (30 إلى 40 مقعداً)، وخسارة بعض مرشّحيها مقاعد إضافيّة بسبب فارق لم يتعدّ بضع مئات من الأصوات في بعض الدوائر، يصعب توقّع دعوات مستقبليّة للمقاطعة. لقد كانت نسبة الإحجام عن المشاركة كبيرة بالفعل بالنسبة إلى انتخابات مفصليّة كانتخابات الأحد. لكنّ الاستحقاق الأخير بما أفرزه من نتائج، هو انطلاقة لمسار التغيير لا نهايةٌ له. المسار صعب وشائك، لا جدال في ذلك. لكنّ البداية واضحة.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم