الأحد - 16 كانون الثاني 2022
بيروت 13 °

إعلان

انتخابات العراق لن تغيّر الشيء الكثير؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
عراقية تظهر إصبعها مغمّساً بالحبر الانتخابي بعد الإدلاء بصوتها في بغداد، 10 تشرين الأول 2021 - "أ ب"
عراقية تظهر إصبعها مغمّساً بالحبر الانتخابي بعد الإدلاء بصوتها في بغداد، 10 تشرين الأول 2021 - "أ ب"
A+ A-

يشهد العراق اليوم الأحد انتخابات تشريعية مبكرة حيث لا يزال العراقيون يتوجهون إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم للمرة الخامسة منذ سقوط نظام صدام حسين. على الرغم من أنّ تظاهرات العراقيين في تشرين الأول 2019 هي التي أدّت إلى استقالة الحكومة السابقة برئاسة عادل عبد المهدي وفرضت أن تكون الانتخبات المبكرة على جدول أعمال الحكومة الحالية، بدأ ناشطون في الأسابيع الأخيرة يدعون إلى مقاطعة الانتخابات بسبب العنف الممنهج ضدّهم.

عقب اندلاع التظاهرات منذ عامين، قُتل ما لا يقل عن 600 شخص وجرح حوالي 10 آلاف بسبب أعمال القمع والتعذيب التي استهدفت المحتجين والمعارضين. ليس واضحاً حجم المقاطعة بعد وإن كانت التوقعات تشير إلى أنّها ستكون أكبر من 2018 حين بلغت 56%. (في انتخابات 2005 بلغت نسبة المشاركة 80%). لكنّ آية الله العظمى السيد علي السيستاني الذي يحظى باحترام واسع جداً في العراق دعا إلى المشاركة بكثافة للمشاركة في صناعة المستقبل.

 

ضربة

في جميع الأحوال، وبصرف النظر عن حجم الإقبال، لم تتوقّع مؤسسات الرأي العالمية تغييراً سياسياً يُذكر بعد انتهاء الانتخابات حيث رجّحت خروج غالبية القوى السياسية التقليدية فائزة في الاستحقاق الحالي. ضمن الناخبين الشيعة، يتنافس التيار الصدري بزعامة رجل الدين مقتدى الصدر مع تحالف "الفتح" الذي يضمّ التشكيلات المسلّحة والمقرّبة من إيران مثل "منظمة بدر" و"عصائب أهل الحق"، والذي يعدّ الذراع السياسية للحشد الشعبي.

ورأى موقع "ميدل إيست آي" أنّ دعوة السيستاني العراقيين إلى عدم التصويت للمرشحين الفاسدين ولأولئك الذين فشلوا في توفير الخدمات لناخبيهم خلال السنوات الماضية شكّل ضربة لـ"الفتح". فاتهامات الفساد والتقصير وُجهت إليه بشكل متكرّر في المرحلة الأخيرة. الصدر نفسه ليس بعيداً من إيران، لكنّه دعاها (وكذلك الولايات المتحدة) بشكل متكرّر إلى احترام سيادة العراق. ولـ"كتائب حزب الله" مرشّحون تحت مظلّة "حركة حقوق".

في المناطق ذات الغالبية السنية، خاض المتنافسون حملاتهم الانتخابية بناء على وعود بإعادة إعمار المدن التي دمرتها الحرب ضد داعش. يتمتع رئيس البرلمان الحالي محمد الحلبوسي بالشعبية الكبرى، لكنه يواجه منافسة من قبل رجل الأعمال خميس خنجر. أمّا في كردستان العراق، فمن المتوقع فوز "الحزب الديموقراطي الكردستاني" بزعامة رئيس وزراء الإقليم مسرور بارزاني.

 

"نعم للواقعية"

في دعوة إلى عدم انتظار تغييرات جذرية بعد الانتخابات، حثّت الباحثة في "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية" الدكتورة نسيبة يونس الأوروبيين على أن يكونوا واقعيين تجاه تمكّن الحكومة المقبلة من إطلاق الإصلاحات المرجوة. فالائتلاف الحكومي المقبل سيضمّ العديد من المجموعات المتخلّفة. كان من المفترض أن يقسّم القانون الانتخابي العراق إلى دوائر انتخابية صغيرة لانتخاب أشخاص محترمين من المجتمعات المحلية. لكن تم تشكيل دوائر جديدة بصورة انتقائية ستفيد الأحزب السياسية التقليدية. وواجهت الشخصيات والأحزاب الجديدة عنفاً مكثفاً ولهذا سيقاطع المعتدلون التصويت بسبب هذا العنف.

لكنّ القانون الانتخابي الجديد الذي أُقرّ في كانون الأول 2019 رسم خطوة إضافية نحو تحقيق تمثيل أكثر عدلاً. فبعدما كان العراق مقسّماً إلى 18 دائرة انتخابية سنة 2018، بات عددها اليوم 83. والأعضاء الجدد في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات هم من القضاة. هدفُ هذين التغييرين هو التقليل من نفوذ الأحزاب المهيمنة. مع ذلك، لا تزال تحديات مواجهة المال السياسي والسلاح وعدم تحديث الملايين لسجلاتهم الانتخابية أو حصولهم على البطاقات البيومترية وولاء بعض أعضاء المفوضية العليا لأحزابهم هي من أبرز نقاط الضعف التي تشوب العملية الانتخابية بحسب "معهد الولايات المتحدة للسلام". كذلك، ثمة توقعات أخرى بأن يعزّز القانون الانتخابي الجديد من تأثير العشائر في المشهد السياسي، حتى ولو سعت إلى إبعاد نفسها عن الأحزاب بسبب اتهامات الفساد.

 

توافق واسع

جميع الأحزاب البارزة مستفيدة بشكل راسخ من النظام السياسي الموجود بحسب يونس. وهي توقعت اتفاق الأحزاب الفائزة على تسوية تنتج حكومة شبيهة بالحكومة الحالية وغير قادرة على إطلاق إصلاحات جذرية، ولهذا السبب توقعت المزيد من التظاهرات في المرحلة المقبلة. يستند هذا التحليل إلى طبيعة التركيبة السياسية في العراق. على سبيل المثال، إذا اختلف الصدريّون وتحالف "الفتح" داخل البرلمان المقبل، فإنّ أبرز المرشّحين لحسم الخلاف باتجاه أو بآخر سيكونون من النخب السياسية التقليدية مثل رئيس الحكومة السابق حيدر العبادي وحاكم النجف السابق عدنان الزرفي بحسب توقعات الباحثين في "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" بلال وهاب وكالفن وايلدر. حتى المستقلون الذين سيدخلون البرلمان بشكل أكبر لن يؤلّفوا تحالفاتهم الخاصة، إنّما من المرجّح دخولهم في تحالفات مع الكتل التقليدية. لهذه الأسباب، يتقاطع وهاب ووايلدر ويونس عند التحليل نفسه.

وفي دراسة لمعهد "تشاتام هاوس" الملكي، يتبيّن أنّ قانون الانتخابات الجديد سيقلّص على الأرجح عدد المقاعد التي يمكن الأحزاب التقليدية الحصول حصدها. سيصعّب ذلك تشكيل حكومة ائتلافية بالتوازي مع بقاء عملية تأليف الحكومة، كما كانت خلال الأعوام الستة عشر السابقة، منفصلة عن تصويت الناخبين ومرتبطة بتوزيع الحصص الطائفية. وتوقّعت الدراسة أيضاً المزيد من الاضطرابات في المستقبل.

بالمقابل، ليس من الضروريّ أن تعني الانتقادات الموجّهة إلى القانون الانتخابيّ أنّ المشكلة الأساسيّة تكمن في هذه الحيثيّة. على العكس من ذلك، حتى ولو كان هذا القانون أكثر عدلاً، قد تظلّ المشكلة قائمة وإن بحدّة أقلّ. فبحسب الباحث في مؤسسة الرأي نفسها ريناد منصور، يرى العديد من العراقيين أنّ الانتخابات تعزّز الستاتيكو الحاليّ للأحزاب الحاكمة غير الخاضعة للمحاسبة. فالخطأ الأساسيّ للمسؤولين العراقيين واللاعبين الدوليين هو مواصلة التركيز لا على الإصلاح المنهجي للنظام بل فقط على الانتخابات من أجل تعزيز الديموقراطية في العراق.

 

معنى الانتخابات

لا تترادف هذه التوقعات مع خلوّ الانتخابات الحالية من أي فائدة حتى مع افتراض عودة التكتلات نفسها إلى البرلمان مع تعديلات ثانوية. يعبّر كل استحقاق انتخابيّ عن تجربة جديدة تراكم اختبارات الشعوب في تقييم أداء سياسييها، لكن أيضاً أدائها الخاص في التعبير عن نفسها وتنظيم أهدافها. وحتى لو صحّ افتراض مواجهة العراقيين لتظاهرات جديدة في المستقبل بسبب فشل الحكومة المقبلة في تنفيذ الإصلاحات الموعودة، فستكون الانتخابات الحالية مدماكاً إضافياً في بناء المستقبل استناداً إلى التعلّم من أخطاء الماضي والحاضر. لقد خطا العراق خطوات جبّارة نحو الأمام خلال السنوات الماضية، وانتخابات اليوم هي إحدى نتائج تلك الخطوات. لكنّها بالتأكيد ليست نتيجتها النهائية.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم