.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
القس سهيل سعود
شخّصت الميثولوجيا الرومانية القديمة القضاء، كإلهة أطلق عليها اسم "جوستيسيا" التي اقترنت دائماً، بالإلهة"برودنسيا"، التي عُرفت ببعد النظر ورؤية الأمور عن بعد. اعتُبرت "برودنسيا" أم كل الفضائل، وهي تشخيص للفطنة واستخدام العقل لدى الحكم في المسائل. صوّرت الإلهة "جوستيسيا" على أنها تضع على عينيها عصابة، ترمز إلى الحكم بموضوعية كاملة في كل ما يحوّل إليها من دعاوى دون الانحياز لأحد، لأي اعتبارات كانت، سياسية أو سلطة أو منصباً أو مالاً أو خلفية اجتماعية معيّنة. تحمل جوستيسيا في يدها اليمنى ميزاناً، تعرف من خلاله نقاط قوة وضعف القضية التي تنظر فيها. كما يرمز الميزان إلى قياس وتقييم الدلائل والبراهين للحكم في الدعاوى المقدمة إليها، كيما تحكم بعدالة وإنصاف بناءً على المعطيات والحقائق المكتشفة. وتحمل في يدها اليسرى السيف، الذي يرمز إلى المحاسبة والاقتصاص ومعاقبة كل من تثبت الإلهة جوستيسيا أنه مخطئ ومدان في قضية ما. أسّس الإمبراطور طيباريوس، في 8 كانون الثاني من عام 13 ق.م. معبداً للإلهة جوستيسيا في روما، وتسابق الأباطرة الرومان لكي يضعوا تماثيل لها، ويعلنوا أنفسهم حماة القضاء والعدالة في أوطانهم.
عندما عيّن ملك مملكة يهوذا يهوشافاط، قضاة للقضاء بين نزاعات الشعب، قال لهم: "انظروا ما أنتم تفعلون. لأنك لا تقضّون للإنسان، بل للربّ. هو معكم في أمر القضاء. والآن لتكن هيبة الربّ عليكم. احذروا وافعلوا، لأنه ليس عند الربّ إلهنا: ظلمٌ ولا محاباة ولا ارتشاء" (أخبار الأيام الثاني19: 6-7).
ويخبرنا النبي أيوب الذي تعرّض لآلام وأوجاع ومصائب كثيرة حتى ضُرب به المثل، أنه قبل خسارة عائلته وأملاكه، فقد كان يعيش في أوساط قضائية فاسدة، إذ كان النافذون والمتسلّطون يظلمون الفقراء بأحكامهم المعوجّة. إلّا أنه اختار أن يناصر قضايا الفقراء المظلومين، ويساعدهم في دعواهم. إنّ ما كان يفعله النبي أيوب، أنه كان يدرس ويتفحّص جيداً كل دعاوى الفقراء، كيما يعرف مواطن الإجحاف والظلم الذي لحق بهم. وهكذا يمكنه الدفاع عنهم جيداً وإنصافهم في المحاكم لربح دعواهم. وصف النبي أيوب نفسه بأنه "أبٌ للفقراء والمظلومين". قال، "أبٌ أنا للفقراء، ودعوى لم أعرفها فحصت عنها" (أيوب 29: 16). أي إنّ النبي أيوب، لم يهمل قضيّة حق. لكنه بتّ فيها، ولا سيما عندما كانت قضايا تتعلّق بالفقراء والمظلومين.