الإثنين - 04 آذار 2024

إعلان

ليلى بعلبكي التي اختارت المنفى "طوعاً" قررت ان لا تعود ابداً

المصدر: "النهار"
ليلى بعلبكي.
ليلى بعلبكي.
A+ A-
توفيت في لندن الكاتبة ليلى بعلبكي التي اختارت المنفى "طوعا" بعد تعرضها لاضطهاد وهي التي تجرأت على كسر "التابو" في كتاباتها وفي حياتها. حبذا لو تكون كتبت مذكراتها التي تؤرخ لمراحل صمتت عنها، فاختارت الانكفاء عن الاضواء والاطلالات.

ولدت ليلى بعلبكي في بيروت في عام 1934، وتعود جذور عائلتها إلى قرية حومين التحتا في منطقة النبطية الجنوبية. والدها هو الشاعر الزجلي علي الحاج البعلبكي الذي أصدر عدة دواوين مثل "بسمة الفجر" و"خيمة الصحراء"، علاوة على كتاب "الأمجاد البادية من عرب البادية". وقد درست ليلى بعلبكي في المدرسة الرسمية في حي عين المريسة على شاطئ بيروت، ثم انتقلت إلى كلية المقاصد الاسلامية، فأنهت فيها المرحلتين المتوسطة والثانوية. ثم تابعت دراستها في معهد الآداب الشرقية التابع لجامعة القديس يوسف في بيروت، لكنها لم تكملها.

عندما اندلعت الحرب اللبنانية في عام 1975 هاجرت ليلى بعلبكي إلى لندن وانقطعت عن الكتابة الصحافية وراح حضورها يخفت الى أن عزلت نفسها عن الوسط الأدبي والصحافي. يقال بإنها كانت ترفض أن تعقد أي لقاء مع الصحافة مؤثرة البقاء في الظل بعد كل تلك الضوضاء التي أحدثتها في الستينات والسبعينات.

بدأت الكتابة في الرابعة عشرة، ثم عملت موظفة في مجلس النواب اللبناني بين 1957 و1959. وفي عام 1958 أصدرت روايتها الأولى "أنا أحيا"، وهي رواية وجودية المضمون تصور اغتراب الانسان عن ذاته، وتمرد المرأة على الرجل. وقد لقيت هذه الرواية صدى إيجابيًا لدى النقاد، وترجمها إلى الفرنسية الأديب الفرنسي ميشال باربو (منشورات دار النشر العربية في باريس)، وتحدث عنها المستعرب جاك بيرك في دراسته الموسومة بعنوان "القلق العربي في الزمن المعاصر"، ما وضع ليلى بعلبكي على عتبة الشهرة الأدبية، وجعلها أحد الوجوه المعروفة في ميدان الثقافة في بيروت آنذاك. ومكنتها شهرتها حينئذٍ من الإقامة الموقتة في باريس نحو سنة بين 1959 و1960.

في تلك الأثناء نشطت في ميدان الكتابة وفي إلقاء المحاضرات مثل محاضرتها في "الندوة اللبنانية" (11/5/1959) التي اختارت لها عنوان "نحن بلا أقنعة"، والتي صبّت فيها نقدها على المجتمع اللبناني والمجتمعات العربية، وعلى العائلة والقيم السائدة. وفي خضم ذلك التألق كانت مقالاتها تُنشر في المجلات الأكثر انتشارًا في لبنان كـ"الأسبوع العربي" و"الحوادث" و"الدستور"، كما نشرت بعض مقالاتها في مجلات مثل "أدب" و"شعر" و"حوار" و"الآداب". وبعد نحو سنتين على صدور "أنا أحيا" صدرت لها رواية "الآلهة الممسوخة"، فلم تحظَ بالصدى الذي حظيت به روايتها الأولى.

حظيت بعلبكي باهتمام عدد من القطاعات الأدبية العربية، غير أنّها أثارت من ناحية أخرى غيظ منتقديها. وتحوّل ذلك الغيظ إلى اضطهاد صريح وعلني عند نشر مجموعتها الروائية "سفينة حنان إلى القمر" عام 1963. وبعد مطالعة أخلاقية، نُشرت تحت اسم مستعار في المجلة المصرية "صباح الخير"، جرى حظر المجموعة في لبنان وتمّت مُحاكمة بعلبكي بتهمة ما سُمّي "إباحية" عدة قصص.4 كانت تلك المحاكمة الأولى من نوعها في لبنان، حيث جرى محاكمة كاتبة بتهمة "إهانة الأخلاق العامة" عبر كتابات تتناول الرغبة الجنسية من منظور المرأة. وبالرغم من تبرئة بعلبكي، إلا أن التجربة كانت مروعة. واتفق النقاد بالإجماع أن المحاكمة أنهت المرحلة الأكثر أهمية في مسار بعلبكي الأدبي.


وفي تلك الأجواء تزوجت أنطون وديع تقلا (توفي في 1/8/1993)، وأنجبت ابنتين وابنًا. وفي عام 1979 عادت إلى لبنان بعدما قرّ قرارها على اعتزال الكتابة والصحافة والناس إلا القليل من أصدقائها، وعاشت منذ ذلك الزمان بين إنكلترا ولبنان، ولم تظهر إلا مرات قليلة كظهورها في معرض الكتاب العربي في بيروت في عام 2009 غداة إعادة إصدار دار الآداب اللبنانية جميع مؤلفاتها، وتوقيع تلك الكتب لرواد المعرض. هكذا تناثر أَعلام ذلك الجيل مثل أوراق الخريف، وتطايروا هنا وهناك مثل غبار الطلع، وانتشروا في أوطان الشعوب الأخرى حيث لم تكن
لديهم بلاد لتحمي أجسادهم، ولا أوطان لتحضن إبداعهم. كانوا غرباء في عالم غرائبي، وكانت ليلى بعلبكي غريبة كغزالة هاربة.

في العام 2009، أي بعد أكثر من أربعين عاماً على ابتعادها عن الأضواء، أطلّت ليلى بعلبكي، تلك الاطلالة اليتيمة في معرض الكتاب العربي، في بيروت، لتوقع كتبها التي أعاد دار الآداب طباعتها، لتظهر بشكل مختلف، بطبيعة مرور الزمن، ثم تعود إلى عالمها.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم