الأحد - 20 أيلول 2020
بيروت 30 °

جارموشيات "الموتى لا يموتون" افتتحت مهرجان كانّ ٧٢

المصدر: " ا ف ب"
كانّ - هوفيك حبشيان
Bookmark
جارموشيات "الموتى لا يموتون" افتتحت مهرجان كانّ ٧٢
جارموشيات "الموتى لا يموتون" افتتحت مهرجان كانّ ٧٢
A+ A-

"الموتى لا يموتون" الذي افتتح أمس مسابقة مهرجان كانّ ٧٢ (١٤ - ٢٥ أيار) وعُرض بالتزامن في ٦٠٠ صالة شريكة، ليس فيلماً كبيراً، ولكن يُشاهَد بشعور بالغ من التسلية. هذا من الأعمال التي تتبلور في رأس المشاهد بعد الخروج من الصالة، بحثاً عن معنى لسلسلة الأحداث الغرائبية التي تعاقبت على الشاشة طوال ساعة وأربعين دقيقة. وهذا البحث هو نتيجة رفضنا للاذعان إلى السهولة. فكلّ ما يقوله الفيلم يكاد يكون واضحاً ويمكن التقاطه من دون جهد عظيم، الا اننا لا نريد ان نصدّق: لا بد ان هناك شيئاً أو أشياء مخبأة خلف التقطيع الكلاسيكي والكادرات المتكررة والحوارات البليدة. مستحيل ان يكون جارموش بهذه الشفافية ليمنحنا مفاتيح كلّ شيء. لا شك انه يطلب منّا نبشاً أعمق في الأرض. بهذا الاصرار علىإيجاد معانٍ بديلة غير تلك التي تفرض نفسها، خرجتُ أمس من الفيلم متوجهاً إلى دعوة العشاء تحت سماء ممطرة.

في السادسة والستين من العمر، لا يبدو ان جارموش مستعد للتخلي عن عاداته التصويرية، عن تيماته الأثيرة، وعن مجمل عالمه البارد الذي يمنح الانطباع بأنه يغلي غلياناً وعلى استعداد للانفجار في أي لحظة. بعد نحو دزينة من الأفلام، ثمانٍ منها شاركت في كانّ، أصبح الطبع يغلب التطبّع عند هذا الفنّان الاستثنائي الذي قال ذات مرة: "خيالك هو ضميرك الأوحد، إنه لك، إنه أنت!". فلطالما ربط جارموش بين الخيال والهوية الشخصية. الثانية نتاج الأول عنده. مع ذلك، للخيال مكان قليل في "الموتى لا يموتون"، اذ انه تخيّل حكاية محيّرة ببساطتها: بعد خلل معين في الطبيعة يزيح الكرة الأرضية عن محورها (!)، يخرج الموتى من قبورهم في احدى القرى الأميركية المملة حيث لا يحدث الكثير. ما يميز هؤلاء الزومبيين عن أسلافهم (في السينما الأميركية) انهم ييحثون عمّا أحبوه في حياتهم!

عدد كبير من الممثّلين المعروفين، بعضهم يتحدّر من عالمه وأصدقاء له (توم وايتس، بيل موراي، تيلدا سوينتون، آدم درايفر) يحشرهم الفيلم في هذه البقعة ليراقب سلوكهم حيال ما سيعيشونه الذي سيتضح أنه يوم القيامة على الطريقة الجارموشية. اذ سرعان ما سيتحول الأموات الذين انتزعوا عن أنفسهم رداء الموت، إلى زومبيين جائعين إلى لحوم البشر. والشرطة المحلية ستحاول انقاذ الوضع كيفما اتفق.

كلّ شيء في المدينة له طابع الـ"أولديز": مقر الشرطة، الموتيل، الرجال المتكئون على كونتوار الحانة، وحتى الأموات أنفسهم. الزمن توقف هنا، حياة بلا نبض، حد ان الموتى عندما يخرجون من قبورهم، لا نجد فرقاً كبيراً بينهم وبين الأحياء، علماً ان جارموش يقول أكثر من هذا بكثير عندما يعلن أن "الزومبيين هم نحن (أي الأحياء)". فماذا لو كان الأحياء الذين يصوّرهم الفيلم موتى يجهلون انهم فارقوا الحياة!؟

التكرار سعياً للحصول على نتائج مختلفة في كل مرة، هذا أحد اختراعات سينما جارموش في فترتها الأخيرة، وفي هذا أيضاً الفيلم مخلص لصاحبه. وكذلك التفاصيل التي تطفو على السطح، لا بل هناك دعوة صريحة تأتي على لسان احدى الشخصيات في بداية الفيلم للتأمل فيها. للمناسبة، "الموتى لا يموتون"، فيلم غنيٌّ بالغمزات والايحاءات إلى مفهوم معين لسينما الرعب، على رأسها جورج روميرو، المخرج الطليعي الذي أدخل الزومبي في الثقافة الشعبية مع تحفته "ليل الأحياء الأموات" في نهاية الستينات. لكن الفيلم يعكس أيضاً الشقاوة الجارموشية المحببة: لا عجب في ان نصادف كلباً يُدعى رامسفيلد يسرح في وسط الأحداث، أو ان تصبح الحوارات مجرد لهو ومادة للتندر من المستوى الفكري للشخصيات في منحى لئيم لا يقيم وزناً لروح العصر. أو، أيضاً وأيضاً، ان يُستبدَل الدم بنوع من غبار أسود عندما يقطع الأحياء رؤوس الزومبيين، ما يفضح شاعرية جارموش التي يسعى إلى اخفائها.

الجارموشيات تجد ملاذاً لها في عالم الموت وقطع الرؤوس ونهش اللحم البشري، ليتحول هذا كله في لمحة بصر إلى خطاب ليس بعيداً تماماً عمّا قاله روميرو في الستينات عن أميركا وهوسها الأبوكاليبتي. الفرق ان الزومبيين يبحثون هنا عن واي فاي أو نبيذ الشاردونيه. شتّان بين أميركا الستينات وأميركا ما بعد ترامب.

الفرق الثاني ان جارموش لا يأخذ نفسه على محمل الجد، فهو ليس معلّماً تنويرياً، والسياسي عنده يذوب في قِدر الحياة اليومية للمهمّشين الذين لطالما صوّرهم من زاويته الصغيرة. فنراه اذاً يسخر من الزومبيين ومن الذين يحاولون التصدي لهم، لا بل يسخر من كلّ شيء وحتى من نفسه في مشهد الحوار في السيارة بين الشرطيين (درايفر وموراي). وفي كلّ مرة نسينا اننا في فيلم، يحرص جارموش على تذكيرنا بهذه الحقيقة.

تحيّة إلى أنييس فاردا في الافتتاح

أمس، كان دور الاسباني خافيير باردم والفرنسية شارلوت غاينسبور في قول العبارة السحرية المنتظرة منذ عام: "نعلن افتتاح مهرجان كانّ". عبارة يعرف المشاركون في كانّ انها تعني بالنسبة إليهم ١٢ يوماً من المشاهدة النهمة والاستمتاع (أو لا) بكلّ مستجد ومثير يأتينا من بقاع الأرض. قبل هذه اللحظة، ولنحو نصف ساعة من الزمن، شهد مسرح لوميير المغامرات الكلامية لادوار باير وقفشاته التي كان موفّقاً فيها هذه المرة. بعد تحية لأنييس فاردا التي رحلت في ٢٩ آذار الماضي، والتي تعتلي صورتها ملصق المهرجان، صاغ باير تقديم الافتتاح بأسلوبه الشاعري المكثّف يرافقه على الأكورديون أوريليان نويل. قال كلمة جميلة عن مفهوم المشاهدة، وعن الايرادات والجمهور انطلاقاً مما قالته فاردا في آخر وثائقي لها، معبِّرةً عن خشيتها من الصالة الفارغة. في كانّ، فكرة الصالة المهجورة من المشاهدين، تكاد تكون مستحيلة، وهذا ما أكّده باير، فأخرج من جيبه هذه الجملة البليغة: "في كانّ، الصالة محتشدة إلى درجة ان الفيلم يتوقف أحياناً ليلقي نظرة عليها". ثم، كانت وقفة موسيقية مع المغنية البلجيكية أنجيل التي غنّت "من دونك" لميشال لوغران، أغنية مأخوذة من "كليو من الخامسة إلى السابعة"، أشهر أفلام فاردا. أخيراً، تم تقديم لجنة التحكيم التي تتألف من: أليخاندرو غونزالث إينياريتو (رئيساً لها)، كيلي ريتشارد، ال فانينغ، ميمونة نديا، أليتشه رورفاكر، انكي بيلال، روبان كامبيو، يورغوس لانثيموس، بافل بافليكوفسكي. تبعه عرض شريط يجمع مشاهد من أفلام إينياريتو الخمسة. مونتاج ذو إيقاع جهنمي جعلنا ندرك كم ان هذا المكسيكي البالغ من العمر ٥٦ عاماً بارع في اشاعة لحظات وجدانية في أفلامه. وها انه عُيِّن في منصب لا يُحسَد عليه: الحكم على أفلام لكبار معلّمي السينما من أمثال كن لوتش وترنس ماليك وبدرو ألمودوفار ضمن ١٩ فيلماً تتسابق على "السعفة الذهب" وغيرها من الجوائز التي ستُوزع السبت ٢٥ أيار.

الكلمات الدالة