الثلاثاء - 27 تشرين الأول 2020
بيروت 27 °

إعلان

التخريب المحتمل في إيران... أبعد من البرنامج النوويّ؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
التخريب المحتمل في إيران... أبعد من البرنامج النوويّ؟
التخريب المحتمل في إيران... أبعد من البرنامج النوويّ؟
A+ A-


تحوّل محتمل أوّل

يذكّر الاستهداف المحتمل المراقبين بما تعرّضت له إيران منذ حوالي عشر سنوات من هجوم سيبيرانيّ أبطأ برنامجها النوويّ بما لا يقلّ عن سنة. وإذا تبيّنت صحّة فرضيّة التخريب اليوم فهذا يعني أنّ الجهة التي تقف خلفه لا تزال خائفة من قدرة إيران على تسريع برنامجها النوويّ، على الرغم من جميع الضغوط التي فرضتها واشنطن. لكن ثمّة أكثر من استنتاج هنا.

لو صحّ وجود عمل تقويضيّ مقصود تقف الولايات المتّحدة وإسرائيل خلفه وفقاً لغالبيّة التقارير الغربيّة، فمعنى ذلك أنّ هنالك ما تغيّر منذ عمليّة "الألعاب الأولمبيّة". حينها، كان الاستهداف سيبيرانيّاً سرّيّاً قام على أساس إبطاء أجهزة الطرد المركزيّ دون الحدّ الأدنى من السرعة الآمنة، ثمّ تسريعها كي يتخطّى مستوى الأمان. واستمرّ التخريب بنسب متباعدة زمنيّاً من أجل عدم إثارة الشكوك.

يقاد الهجوم المفترض حاليّاً بشكل شبه علنيّ مع انفجارات متنقّلة بين مدينة وأخرى وبين قطاع وآخر. وذكرت "واشنطن بوست" نقلاً عن "مسؤول أمنيّ شرق أوسطيّ" لم تذكر اسمه أنّ "جهاز تفجير ضخماً" تمّ زرعه في المنشأة ل "توجيه إشارة" إلى إيران. في هذا الأمر دلالة إلى احتمال عودة الحرب السرّيّة المفترضة باتجاه استخدام الأساليب التقليديّة كالتفجيرات بعدما لجأت إلى الهجمات السيبيرانيّة.


تحوّل ثانٍ

دفعت هذه العمليّات محلّلين إلى الحديث عن تحوّل أميركيّ وإسرائيليّ من العقوبات إلى التخريب المشبوه ضدّ إيران، بما أنّ حملة الضغط الأقصى فشلت في تغيير سلوكها. ويهدف هذا التحوّل أيضاً إلى تقويض خطّة إيران القاضية بانتظار خروج إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب من البيت الأبيض. بمرور الوقت، يظهر أنّ هنالك توافقاً حول ضلوع الأميركيّين والإسرائيليّين في هذه الهجمات.

برز تقرير في "نيويورك تايمس" منذ خمسة أيّام، يتناول فرضيّة أن تكون العمليّة مخطّطاً له منذ فترة طويلة وأن تكون أكبر ممّا يُعتقد. وذكر التقرير أنّ بعض المسؤولين يرون وجود استراتيجيّة أميركيّة-إسرائيليّة مشتركة تتطوّر إلى سلسلة من الهجمات السرّيّة التي لا تصل إلى حالة حرب. وتهدف هذه الهجمات إلى التخلّص من أبرز الجنرالات في الحرس الثوريّ كما إلى خلق انتكاسة في عمل المنشآت النوويّة الإيرانيّة. ونشرت الصحيفة صورة من الأقمار الاصطناعيّة عن "معهد العلوم والأمن الدوليّ" تظهر أنّ الانفجار في نطنز أكبر ممّا أظهرته الصور الأوليّة.



توقّع المعهد ألّا يكون الانفجار قد دمّر قدرة إيران على استخدام أجهزة طرد مركزيّ متطوّرة، لكنّه بالمقابل، شكّل "انتكاسة بارزة" تكلّف طهران سنوات من التطوير. واللافت في هذا الانفجار، كما في تحليل الصحيفة، أنّه وعلى عكس ما قاله المسؤول الأمنيّ الشرق أوسطيّ ل "واشنطن بوست"، تبدو العمليّة أكثر من مجرّد "إشارة".


"أفضل من الاتّفاق"

انتشر عدد من التوقّعات بتعرّض البرنامج النوويّ الإيرانيّ لضرر كبير، لا يقلّ عن إرجاعه سنة إلى الوراء، كما حصل خلال الهجوم السيبيرانيّ على منشأة نطنز منذ عقد من الزمن. وربّما يكون الضرر أكبر حتى. الباحث في الشؤون الإيرانيّة في "مجلس العلاقت الخارجيّة" راي تقيّة يشير إلى أنّ غالبيّة التقديرات الحديثة تعتقد أنّ الهجوم سيؤخّر قدرة إيران على تشغيل أكثر أجهزة الطرد تطوّراً بحدود سنتين.

وتعدّ منشأة نطنز المركز الأساسيّ لتصنيع أجهزة الطرد المختلفة وبكمّيات كبيرة. غير أنّها ليست المصدر الوحيد لأجهزة الطرد المتطوّرة، بوجود "شركة كالايه الكهربائيّة" التي تطوّر حاليّاً أجهزة "آي آر-8" وهي النسخة الأحدث. ومن غير الواضح ما إذا كانت الانفجارات التي طالت شركات لتوليد الطاقة الكهربائيّة خلال سلسلة الانفجارات الغامضة تقع في إطار مخطّط مشابه لمعرفة إمكانيّة استهداف تلك الشركة.



يرى مراقبون أنّ تخريب البرنامج النوويّ الإيرانيّ أفضل من أيّ اتّفاق أو حوار مع إيران حول هذا الملفّ. لا يوافق الجميع على هذه الرؤية. إنّ إرجاع البرنامج النوويّ الإيرانيّ سنة أو سنتين أو بضعة أشهر إلى الوراء ليس هدفاً بحدّ ذاته وفقاً للبعض بما أنّ ذلك لا يترافق مع خطّة واضحة لحلّ مشكلة البرنامج بشكل نهائيّ خلال تلك الفترة.

دافعت مجلّة "إيكونوميست" البريطانيّة عن رأي مشابه. فهي رأت أنّ الأميركيّين والإسرائيليّين يمكن أن يكونوا قد حقّقوا فوزاً "تكتيكياً" لكنّه لا يرقى إلى ما يمكن أن ينجزه الاتّفاق النوويّ الذي قيّد برنامج إيران لعقد من الزمن على الأقلّ. قد تصحّ نظريّة المجلّة لو كان الهدف يتعلّق بتأخير البرنامج النوويّ وحسب. لكنّه على الأرجح، أبعد من ذلك.


ما حصل حينها يحصل اليوم

تذكّر "نيويورك تايمس" أنّه بموازاة استهداف نطنز سنة 2010، قام الإسرائيليّون باغتيال عدد من العلماء الإيرانيّين البارزين. "لم تكن الفكرة إبطاء البرنامج فقط، بل أيضاً تأليب الإيرانيّين ضدّ بعضهم البعض، وجعلهم يشتبهون بوجود جواسيس بينهم." ويرى البعض أنّ هذا الهدف لا يزال موجوداً اليوم.

ولفتت الصحيفة النظر إلى أنّه تمّ تمديد ولاية مدير جهاز "الموساد" الإسرائيليّ يوسي كوهين لستة أشهر من قبل رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو. وقد وجد كثر أنّ هذا الأمر "إشارة إلى أنّ أموراً ستحدث"، بما أنّ كوهين خبير في العمليّات ضدّ إيران.

من النتائج غير المباشرة لهذه العمليّات المفترضة فرض ضغط على طهران عبر إظهار أنّها أضعف من الصورة التي تروّجها لنفسها أمام العالم والأهمّ أمام شعبها، بما أنّها عاجزة عن حماية أهمّ منشآتها النوويّة. فهل تضطرّ إيران إلى الردّ قريباً من أجل الدفاع عن هذه الصورة؟ أم تضطرّ إلى الصبر حتى الخروج المفترض لترامب من البيت الأبيض؟

الكلمات الدالة