الإثنين - 28 أيلول 2020
بيروت 26 °

"بردانة أنا"... من دون مكياج

المصدر: "النهار"
فاطمة عبدالله
"بردانة أنا"... من دون مكياج
"بردانة أنا"... من دون مكياج
A+ A-

الجزء الأول سبق رمضان، فنكتب بعد نضج الرأي: "بردانة أنا"، قضية الموسم، يحاكي الوجع العميق. يحفر الإصبع في صميم الندب، يقشّرها، محاولاً محاكاة الشفاء. شخصيات، بمثابة إشكاليات، كلّها في الوسط، لا مكان لها في هوامش الأحداث. المسلسل مُشرّع على واقع إنسانيّ هشّ، تحكمه الغابة وذئابها. القانون في أزمة، والعلاقات مضطربة، حتى داخل الأسرة الواحدة. الإخراج الركيك (نديم مهنا) لم يحل دون رسالة صادقة.

لا مكان للمواربة ولا لتدوير الزوايا: الجريمة، هي الجريمة، من دون مكياج وأعذار. تبريرها ظلم، والتستّر عليها كارثيّ. إنّها قصة حنين (كارين رزق الله) المقتولة بيد زوج عنيف، مدمن على الكحول والمخدّرات (بديع أبو شقرا)، له ماضٍ متوتّر وذاكرة يسكنها الوحش. يدخل المسلسل غرف النوم، يعرّي أسرارها، ويلتقط ما لا تراه كلّ عين. القصة لكلوديا مارشليان، والبطولة لشخصيات غارقة بمشاكلها: وسام حنّا في دور النقيب زياد؛ ماضيه من ظنون وروايات متناقضة؛ حين يحبّ يُخفق، وحين يبحث عن الحقيقة، يزداد تيهاً. تدخل دانيا (رزق الله في دورين) حياته؛ هي الشقيقة التوأم لحنين المقتولة بالقهر والعنف، تحبّه للمرة الأولى، ترى فيه طمأنينة مسلوبة. رزق الله هنا حمّالة رسائل، تؤدّيها بأمانة: القوّة في مقابل المخاوف الاجتماعية وكمّ الأفواه، والدفاع عن الحق، فيما الظلم يسرح ويمرح، والقوانين استنسابية، والحساب "بسمنة وزيت". على مقلب آخر، هناك أم معذّبة (رلى حمادة الرائعة)، ويلُها السكوت وويلُها الانفجار. تستّرت على عذابات ابنتها بذريعة "خربان البيوت"، فإذا بها تعود إلى بيتها جثّة. ربّت أولاداً، ظاهرهم هادئ، أما حقيقتهم، فمُرّة. هذا يحبّ امرأة تكبره سنّاً، هي الأخرى تأذّت بأنانية زوجها، وذاك تتلاعب به شابة مدللة، ودانيا بينهم، تدّعي القوّة، وأعماقها ممزّقة بخسارة الأخت، وجنون الصهر وشطحاته الباهظة.

بديع أبو شقرا فنان بالهمس والعنف، بالسلوك والصمت، بحركات اليد والوجه واللغة والنبرة. حصان رابح من دون حقن منشّطة. مَشاهده مع زوجته القاصر من الفئة الدرامية الفخمة، ومَشهد تهديد والدة زوجته الميتة (رلى حمادة)، لكمها ورفسها، موجِع، بمئة كلمة. ليس المسلسل من النوع الذي يُشاهَد للترفيه، ودمتم بألف خير. هو لإعادة الحسابات، للتحرُّك، لاستفزاز الضمير، ولتغيير الواقع والقانون والسلطة الجائرة. وهو للتوعية، لتتفتّح أعينٌ تغضّ النظر عن الحقيقة، ليدرك الأهل أنّ بناتهنّ لسن دمى، والزواج ليس لعبة "بيت بيوت" تنتهي فور حلول الضجر. هو مسؤولية وعقل ونضج طرفين، وكلّ الاحتمالات على الطاولة.

أليكو داود بدور الخال، بواحد من أكثر شخصياته نبلاً. رجل طيّب وسط أطباع حادّة. هو الحضن لطفلتين شاهدتين على المأساة، محشوّتين بالذنب والفقدان والصفعة. وهو الرحمة لشقيقته (جناح فاخوري بدور ممتاز) بقسوتها وصلابتها وماضيها القاتم، يلملم الخراب في كلّ مرة يقع، ويداوي ما تهشَّم. طيّب القلب، ليته في كلّ بيت.

اقرأ أيضاً: عابد فهد: السلّاخ

[email protected]

Twitter: @abdallah_fatima

الكلمات الدالة