عابد فهد: السلّاخ

30 نيسان 2020 | 14:08

المصدر: "النهار"

السلّاخ...

الممثل المُجدِّد، هو الرابح، وإن عمّت حوله خيبة السياق والإيقاع. لعلّ "الساحر" فتح نافذته متأخراً، وراح يُمرّر للمُشاهد أحداثه على شكل نسمة. يجيد عابد فهد رمي أثوابه القديمة ونفض الخزائن. يطلّ في رمضان بشخصيتين: مينا في "الساحر" وزياد في "هوس". تركيبتان Parallel، لا لقاء بينهما. لكلّ شخصية عوالمها وظرفها الخاص. هذه مِن صنْع القدر وألسنته الممدودة، وتلك مسكونة بهزّات داخلية وتعلُّق على شكل مأساة. فهد ماهر بين الدورين. كأنه نصف كائن هنا ونصف هناك، وقد رمى وراءه شخوص الماضي جميعهم، بمَن فيهم أمير ناصر، دوره الفارق في رمضان 2019 (دقيقة صمت).

هذا رأي في الدور، لا في المسلسل. وقد تكوَّن سريعاً، لكن بثقة. بين يدي فهد أدوات له. يفضّل عدم الإعارة، ولا يستحسن إعادة الاستعمال بعد كلّ شخصية. أين قوّة الممثل؟ في صدقه. أن تشفق عليه أو تغضب منه أو تنتظره. وأن يخاطبك فتصغي، وفي اليوم التالي، تطرق أنت بابه. مينا تركيبة على وَقْع المصادفة. ورقة حظ تترنّح أمام الوقت، معرَّضة دائماً للصح والخطأ. بيّاع أوهام من دون قصد. يهبّ هواء يطيّره من قدر إلى آخر. من الموسيقى وأجوائها، إلى قراءة الكفّ والتلاعب بالمصائر. باب يفتح باباً و"الناس بواب"، كما تقول الأغنية بصوت جوزف عطية. في المناسبة، إنّها رائعة. تحملك إلى عالم ربما لم تفكّر يوماً به. في مدخله، يستقبلك عابد فهد، بتناقض الطموح والعدم، الإحباط والجدوى. يمدّ لك يداً مرتجفة، تخشى الأبواب المقفلة، وتدّعي اقتحامها بشجاعة. الحبّ يقلبه رأساً على عقب.

فهد يملك المفاتيح وأبوابها. وجهه، صوته، قبّعته، برودته، والهدوء المرتفع فوق براكين. تُخرجه كارمن (ستيفاني صليبا، لنا عودة لدورها) من الدائرة إلى الضوء، تخربطه، ويخربطها، إلى أن يكون لهما مصير آخر.

في "هوس"، الأمر نفسه بالنسبة إلى المفاتيح والأبواب. فهد في شخصية طبيب التجميل زياد، يعشق زوجته (هبة طوجي) حد فقدان التوازن وخلط الواقع بالوهم. كتوم، صامت، انفعالاته داخلية، مزاجه كئيب. لا نعرف إن كان ما نشاهده حقيقة أو وهماً. هل يحدث فعلاً، أم من هلوسات أفكاره؟ هل قتل زوجته أم لم يفعل؟ إلى أي جنائز سيحمله رأسه المُثقَل؟ الدوّامة تتسّع، وفهد يتلاعب بدوائرها، كالخارج لتوّه من مستنقع رشق سطحه بحجر. رجل بوجوه، يسلخها مع كلّ جولة. تصنيفه الرمضاني بات ثابتاً: في المقدّمة.

اقرأ أيضاً: خيانة وعنف وتحرّش: هلا رمضان

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard