المعركة حول روح أوروبا

2 حزيران 2019 | 15:29

المصدر: "مركز الدراسات السياسيّة الأوروبّيّة"

  • "النهار"
  • المصدر: "مركز الدراسات السياسيّة الأوروبّيّة"

حركة "آفاز" العالمية تكتب "أوروبا تقاوم" خارج مقر البرلمان الأوروبي بعد صدور نتائج الانتخابات - "أ ف ب"

رأى الباحث البارز في "مركز الدراسات السياسيّة الأوروبيّة" ستيفن بلوكمانز أنّ شهر أيّار لم يكن سيئاً للديموقراطية. بعدما دعي 900 مليون ناخب للإدلاء بأصواتهم في الهند، تمتع 430 مليون ناخب في 28 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي بفرصة الذهاب إلى صناديق الاقتراع في ثاني أكبر انتخابات ديموقراطية في العالم: انتخابات البرلمان الأوروبي. وأوضح في مقال تحت عنوان "المعركة حول روح أوروبا" أنّه يُطلَق على هذه الانتخابات عادة، عبارة "انتخابات من المستوى الثاني" حيث تعد تلك الوطنية من المستوى الأول. كانت الانتخابات التشريعية البرلمانية مهمة هذه المرّة لكونها تدريباً على الوعي الذاتي وميزانياً لقياس قوة الشعبوية بعدما صوتت غالبية بريطانيا لصالح "بريكست" وبعدما أوصل الأميركيّون دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

في العقد الماضي الذي عصفت به الأزمة، شهدت دول الاتحاد الأوروبي "أَوْربَة" السياسات الوطنيّة. سيطر السؤال حول كيفيّة تمكن أوروبا من حماية مواطنيها من تأثير الهجرة والتغيّر المناخيّ والعصر الرقميّ وتنافس القوى الكبرى على النقاشات السياسية، انطلاقاً من القاعدة الشعبيّة وصولاً إلى القيادة. تظهر الصدمة الزلزالية لاستفتاء "بريكست" والاضطرابات الانتخابيّة لأبناء القارّة والأحزاب المشكّكة بالاتحاد أنّ السياسات في إحدى الدول الأعضاء تنتقل إلى الأخرى.

إيجابيّات أوروبّيّة سنة 2019؟

على عكس ما يجري في بريطانيا، لم يعد معظم شعبويي أوروبا يريدون إخراج دولهم من الاتحاد الأوروبي، بسبب فوضى "بريكست". في سنة 2016، كان هناك 15 حزباً على الأقل ينظمون حملتهم لإجراء استفتاء حول العضوية في الاتّحاد الأوروبي. يواجَه هؤلاء اليوم بأعلى نسبة شعبية للاتّحاد عبر أوروبا خلال 30 سنة بعدما بلغت 68%. لذلك، يريدون نوعاً مختلفاً من الاتحاد الأوروبي يركز أكثر على الأمن والهجرة.

جرت الانتخابات البرلمانية السابقة في عصر البراءة بالمقارنة مع الانتخابات الحالية. في ذلك الوقت، إنّ البروباغندا القاسية المناهضة للاتحاد الأوروبي، من روسيا ومن مجموعات في الولايات المتحدة، إضافة إلى حملات التضليل الإعلاميّ من اليمين المتطرّف، وتحالف غير مقدّس من المقرصنين وروبوتات الشبكة العنكبوتية ومتصيّدي الإنترنت، نافست جميعها الصحافة العادية على استقطاب الأصوات الأوروبية. تستخدم حملات مناهضة الاتحاد خطاب الكراهية وصوراً جنسيّة وعنفية زائفة مصمّمة لخلق الاشمئزاز. اتّهم زعماء اليمين المتطرّف مثل وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، ميركل وماكرون ويونكر وسوروس بكونهم "خونة" ل "الاحتلال التعسفي للقارّة المنظّم من بروكسل". وكان فيديراليّون مثل زعيم المجموعة الليبيرالية الأوروبية غاي فيرهوفستادت قد وجهوا انتقادات مشابهة ضد أمثال نايجل فاراج ومارين لوبن لتعسّفهم بعضويتهم في البرلمان الأوروبي من أجل تدمير الاتحاد من الداخل.


صمود الوسط وملاحظات أخرى

في انتخابات 2019، كان مؤيدو الاتّحاد يحبسون أنفاسهم لرؤية ما إذا كان الشعبويون سيحققون أرقاماً أعلى. لكنّ تحويل السياسات الوطنية إلى سياسات أوروبّيّة لم يحدث، على الأقلّ ليس بالحدّ الذي توقّعته استطلاعات الرأي. بينما فاز اليمين المتطرف بشكل عام وخسرت ثنائيّة يمين ويسار الوسط بشكل ملحوظ، احتفظ الوسط بموقعه. لدى الأحزاب الوسطية تعبئة أقوى للأكثرية الصامتة، بفضل دول كبيرة مثل فرنسا وألمانيا وبولندا. للمرّة الأولى في الانتخابات البرلمانية خلال 40 سنة، كان نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع إيجابية. ارتفعت نسبة الاقتراع ب 8% عن انتخابات 2014 ووصلت إلى 50%.

خسر حزب الشعب الأوروبي المحافظ (178 مقعداً) والاشتراكيون والديموقراطيون من يسار الوسط (152 مقعداً) غالبيتهم المشتركة في البرلمان لأوّل مرّة منذ 40 سنة. ولطالما تمتّع قادة الحزبين بأبرز المناصب في بروكسل. مع 116 مقعداً، حقق تحالف الليبيراليّون/إلى الأمام المركز الثالث. ولدى "الخضر" 74 عضواً في البرلمان حيث حققوا أبرز مكاسبهم في ألمانيا وإيرلندا. مع واحد أو مع كلا صانعي القرار، إنّ التحالف الوسطي مع حزب الشعب والاشتراكيين والديموقراطيين سيتمتع بغالبية مؤيدة للاتحاد بفارق مريح.


ماذا عن اليمين المتطرّف؟

مع تشكّل التحالفات في الأيام والأسابيع المقبلة، إنّ التحالف الأوروبيّ للشعوب والأمم، وهو مجموعة مناوئة للهجرة تضم "عصبة الشمال" لسالفيني، "التجمع الوطني" للوبن، "حزب الحرية" لخيرت فيلدرز، "البديل لأجل ألمانيا"، "حزب فينْز" (فنلندا)، "حزب الشعب الدنماركيّ"، وأربعة أحزاب أخرى، سيكون هذا التحالف قوّة يحسب لها حساب. إنّ حزبين من أقوى الأحزاب القومية في أوروبا – "حزب القانون والعدالة" البولونيّ الموجود حالياً في تكتل المحافظين والإصلاحيين، و"حزب فيديز" غير الليبيرالي التابع لأوربان والمعلّقة عضويّته في حزب الشعب – إذا اتّخذا قرار الانتقال إلى التحالف الأوروبيّ للشعوب والأمم، فعندها سيصبح الأخير رابع أو حتى ثالث أكبر تحالف في البرلمان. بالتالي، سيفوز نوّاب منتقدون للاتحاد بمواقع صناعة قرار أساسية في البرلمان كرئاسة اللجان وسيكونون قادرين على صياغة الأجندة السياسية.


قلق وتكهّنات... هل من مبرّر؟

إنّ تجزّؤ الطيف البرلمانيّ الأوروبيّ وصعود اليمين المتطرّف أقلق كثيرين وأثار تكهنات بأنّ التشريع المشترك قد يصاب بالشلل مع كون ربع أعضاء البرلمان مشكّكين ومناهضين بشدّة للاتّحاد الأوروبيّ. سينخفض هذا الرقم إذا خرج "حزب بريكست" بأعضائه الثمانية العشرين من البرلمان حين تغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي. لكنّ هذه الفكرة لا تلغي المخاوف من عرقلة بارزة في البرلمان خصوصاً إزاء سلطته المركزية في المفاوضات حول موازنة الاتّحاد. في اختلاف مع ما درجت عليه العادة، نبّه الليبيراليّون والخضر حزب الشعب والاشتراكيين إلى ضرورة مناقشة برنامج التحالف للمفوّضيّة الأوروبيّة المقبلة تحت طائلة المخاطرة بالوصول إلى طريق مسدود في صناعة القرار حتى 2024. غير أنّ هذه المخاوف قد تعبّر عن ثقة أكبر مما ينبغي بقدرة القوميين على التجمع خلف راية واحدة.

تشكل علامة سالفيني-أوربان قوة مشكّكة بالاتحاد مختلفة عن صورة فاراج-لوبن. استخدم فاراج ولوبن الانتخابات الأوروبية لخطف الأضواء وتمويل حزبيهما في الداخل ولم يكونا حاضرين في الأعمال اليومية للبرلمان الأوروبي كي يكون لديهما أي تأثير تشريعيّ. لكنّ سالفيني وأوربان موجودان في الحكم على المستوى الداخليّ ويريدان وضع ثقليهما في مسار اتّخاذ القرار الأوروبي، مثل الهجرة وطلب اللجوء ومستقبل شنغن ومنطقة السفر من دون جواز.

هنالك العديد من المصالح القوميّة المختلفة والرؤى الاقتصاديّة والسياسات الاجتماعية المختلفة بشكل جذري، وينطبق الأمر نفسه على وجهات النظر المتعارضة إلى روسيا. وتقف هذه العوائق أمام تشكيل والحفاظ على مجموعة برلمانية أوروبية متجانسة حول مسائل أخرى غير مناهضة الهجرة.


الديموقراطيّة الأوروبيّة تتعزّز

يتابع الباحث أنّ مكاسب الشعبويّين الانتخابيّة هي أمر جيد على مستوى الديموقراطية التمثيلية. اليوم، بما أنّ البرلمان الأوروبيّ يمثّل انعكاساً أكثر دقّة للرأي العام على امتداد أوروبا، يمكن آلة صناعة القرار الأوروبية أخيراً أن تواجه المعارضة التي تحتاج إليها. وهذا قد يدخل الحيوية إلى النقاش السياسي داخل الحلبة الديموقراطية الوحيدة المنتخبة بشكل مباشر لإصدار قرارات مرتبطة بالقارة.

بذلك، يكون الاتّحاد الأوروبيّ اتّحاد دول ومواطنين. المكان الذي تُقرر فيه الأحداث السياسيّة هو المجلس الأوروبيّ الذي يشكّل تجمعاً للزعماء الوطنيين. تطلبت أزمات الأورو والاعتداء الروسي على أوكرانيا وبريكست واللجوء وسياسات دونالد ترامب حول "أميركا أولاً"، من رؤساء الدول أو الحكومات أن يتعاملوا مع حالات الطوارئ ويفكّروا بطريقة أكثر استراتيجيّة حول مستقبل أوروبا.

مكسب لا يمكن إنكاره

في حين أصر البرلمان الأوروبي على أن يكون الرئيس المقبل للمفوضية الأوروبية مرشحاً بارزاً من واحدة من أكبر العائلات السياسية الأوروبية، يريد عدد ملحوظ من رؤساء الدول أو الحكومات، خصوصاً المنتمين للمجموعة الليبيراليّة، المحافظة على امتيازاتهم باختيار الرئيس الجديد للمفوضية وتحديد برنامج فعّال للسلطة التنفيذيّة الأوروبيّة. مع ذلك، وبغضّ النظر عن أنّ النواب انتُخبوا وفقاً للوائح وطنيّة وقوانين انتخابيّة وطنيّة بعد حملات نظّمتها أحزاب وطنية، وحتى لو تم استبعاد مرشحين بارزين من المجموعات الحزبيّة الأوروبيّة الأوسع على يد رؤساء الدول والحكومات الذين سيعيّنون المسؤولين في المناصب الأوروبيّة القاريّة، لا يوجد إنكار بأنّ مساحة سياسية أوروبية قد برزت، وفقاً لما يختم به بلوكمانز مقاله.

علاء أبو فخر: الحكاية الجارحة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard