"حزب الله" والتعطيل: مواد وصفة الانفجار صارت جاهزة

2 كانون الأول 2018 | 11:10

آلام الانتظار، من اعتصام لأهالي المفقودين (أ ف ب).

القلق والإحباط واليأس، هي عناوين المرحلة الحالية في لبنان. اللبنانيون قلقون على الصحة وعلى لقمة العيش وعلى المصير؛ مصير الأفراد ومصير وطنهم. هناك يأس من إمكانية إصلاح الوضع. الغيمة السوداء التي تغطي مساحة العشرة آلاف كيلومتر تمسح كل المشاعر ما عدا الشعور بالتهديد والخوف من المستقبل وعليه.

احتفل لبنان أخيراً بعيد #الاستقلال الخامس والسبعين، ربما رغب المعنيون إعطاء زخم للاحتفال هذا العام لأنه يصادف مرور ثلاثة أرباع القرن. لكن حسابات الحقل لم تتفق مع حسابات البيدر؛ فالشعور الملازم للمواطنين هو أنهم يعيشون في بلد منهار ومفلس ومحتل؛ وزاد الطين بلة ما حصل يوم الجمعة الذي سبق ذكرى الاستقلال بأسبوع من انسداد مروري تام لم يصادفه اللبنانيون من قبل. شلت حركة السير وتعطلت كافة الأعمال واحتجز المواطنون في سياراتهم لساعات تعدت الأربع. ضجت وسائل الإعلام والاتصال بما بهذه الأزمة التي تسببت بخسائر اقتصادية جمة. توج ذلك كله بوضع سيدة حامل لمولودها في السيارة، ما جعل المشهد في منتهى السريالية.

اقرأ أيضاً للكاتبة: هل نعجز عن المحافظة على الدولة والاستقلال؟

نحتفل بعيد الاستقلال في الوقت الذي يواجه فيه لبنان مسيرة الانحدار التي صارت تهدد بانهيار الدولة التام، بهدف إعادة صياغتها بما يناسب إيران وحزبها. فالعجز عن تشكيل الحكومة منذ ما يقرب السبعة أشهر مع فقدان الأمل بتشكيلها، بسبب موقف "حزب الله" الذي يريد فرض إملاءاته بقوة السلاح الإيراني الذي بحوزته؛ ضاربا عرض الحائط بالدستور اللبناني والقوانين الناظمة. فعدا عن أنه يختار وزراءه بنفسه دون أي تدخل من رئيس الجمهورية والرئيس المكلف يريد أن يفرض توزير شخصيات سنية تؤيده، وأطلق عليهم صفة "مستقلين".

لم نسمع من قبل عن نواب يريدون أن يفرضوا على رئيس حكومة مكلف توزيرهم بالقوة. لكن الغرض من هذه البدعة إيجاد كتلة سنية ـ "حزب إلهية"، يسبغ عليها صفة "معارضة سنية"، بوجه الرئيس المكلف. وهذا سيؤدي إلى إضعاف رئيس الحكومة في حكومته وفي طائفته.

نفذ "حزب الله" التمرين عينه خلال الأشهر الخمسة الأولى من فترة تكليف الحريري ـ فأضعف الجبهة المسيحية (بالواسطة) وقسمها، وفعل الأمر ذاته مع الدروز. وبذلك، يتسنى لنائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم أن يعلن بالفم الملآن: "إن ‘حزب الله’ عابر للطوائف ومعبر عن الوحدة الوطنية!"، وبالتالي فأفعاله ميثاقية ودستورية.

اقرأ أيضاً للكاتبة: 'التفاهة' تتحكم بمصير العالم والدولة

لم يعد "حزب الله" يهتم بالشكليات أو بمداراة أحد. يضع يده على سلاحه ويعلن على الملأ: الأمر لي وعليكم الخضوع والقبول بما أمليه عليكم، وإلا فليكن ما يكون! وهي نفس السياسة التي اتبعت في سوريا؛ إما سوريا واحدة تحت حكم الأسد وخاضعة لإيران أو فلتهدم.

نلاحظ الآن تكرار اللعبة: إما أن تخضع الحكومة ورئيسها للحزب وإلا فلتسقط؛ وهذا على الأرجح لعب على حافة الهاوية ورهان على تنازل الآخرين.

وهذه نتيجة طبيعية لمسلسل الخضوع الطوعي منذ العام 2005 بعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، وهو مسلسل جاء ضمن حسابات الطبقة السياسية التقليدية التي يجمعها بالثنائي الشيعي تاريخ من التبادلات المصلحية والمحاصصات. فكانت الانتخابات النيابية في ظل التحالف الرباعي (عام 2005) الذي وضع التيار العوني والشيعة المستقلين (ذوي الحيثية حينها)، خارج المعادلة. واعتبر المتحالفون مع "حزب الله" أن سلاحه لبناني وواجهوا الشرعية الدولية معتبرين أن السلاح مسألة داخلية لبنانية سيتم التفاهم حولها على طاولة الحوار.

تناسلت طاولات الحوار؛ فكلام الليل يمحوه النهار. وبقي السلاح بحوزة الحزب الذي وجهه إلى الداخل اللبناني بعد انتهاء حرب عام 2006، فواجه الجميع متعمدا تخوينهم وتهديدهم بملفات لا تزال في علم الغيب حتى الآن.

اعتمد "حزب الله" في تهديداته هذه على تحالفه مع الرئيس ميشال عون منذ أوائل عام 2006، وهو تحالف وفر له الغطاء المسيحي المطلوب لإضفاء الشرعية على سياساته الاستقوائية الخارجة عن أعراف الدولة. ثم جرى ابتداع ثلاثية "جيش وشعب ومقاومة".

كل ذلك لم يردع ما كان يعرف بحركة 14 آذار من الاستمرار في عادة تقديم التنازلات، وإذا لم تكن طوعا فتحت التهديد بالطبع. لم يفكر أحد باستخدام أي من أوراق القوة الدستورية والقانونية التي يملكون، تحت ذريعة "منع البلد من الانهيار" ومن "الانفجار". الأمر الذي مهد للانهيار الكبير الذي نجد أنفسنا على أعتابه، مع احتمال الانفجار؛ فتوتر وغليان الشارع بعد خطابات التصعيد والتهديد يحمل إمكانية التصعيد الأمني.

المضحك المبكي في موضوع السلاح الذي يستند إليه حزب الله لتطويع اللبنانيين، أنه تحول بقدرة قادر من مشكلة داخلية يمكن حلها، إلى مشكلة إقليمية لا قدرة للبنانيين على حلها، فأخرج من التداول.

وصلت الأمور الآن إلى مرحلة من التدهور السياسي والإداري والاجتماعي، إذ أصبح مسؤولون ونواب وسياسيون يصفون الدولة بأنها كرتونية أو منهارة. يعاين الجميع التعطيل منتظرا "يوم السقوط الكبير"، من دون أي محاولة لاستعادة زمام الأمور والكف عن اختراع بدع قانونية ودستورية يستقوون بها إلى أن تتحول إلى سلاح قاتل في وجههم.

ينعكس التهديد الاقتصادي والاجتماعي على صحة المواطنين الذهنية والجسدية. أشار جورج كتانة رئيس الصليب الأحمر في حديث إذاعي إلى أن حوادث السير ـ المرتفعة أصلا ـ ازدادت بنسبة 70 في المئة في الأسبوع الفائت فقط. ناهيك عن العنف المجتمعي الذي لا يكف عن التفاقم. وبلغ استهلاك أدوية الأعصاب أرقاما قياسية والإصابات بمرض السرطان تتصاعد إلى مستويات مخيفة. ناهيك عن مجموعة الأمراض المتعلقة بمتلازمة الضغط النفسي ولا مجال لذكرها هنا.

على عكس سياسيينا قصيري النفس ـ وهو ما يراهن عليه الحزب ـ نجده يتبع سياسة النفس الطويل والصبر وتمرير الوقت بانتظار تغير الظروف، على طريقة النظام الإيراني. يراهن على خوف معارضيه ورضوخهم لإرادته كما اعتادوا في السابق. استخدم الأسلوب نفسه لوضع يده على الطائفة الشيعية بالتدريج؛ فأبعدها عن بيئتها العربية التي كانت تنتمي إليها تاريخيا، وسلخها عن محيطها. استغل المظلومية التاريخية التي همشت الشيعة؛ ساعده الاحتلال الإسرائيلي للبنان عام 1982، ما أعطى إيران الفرصة لكي تلعب في المساحة الفارغة المستجدة، مستخدمة موقعها العقائدي والإسلامي والشيعي وأموالها لتقوية مرجعيتها الدينية الشيعية المنافسة لمرجعية النجف.

قدم حزب الله نفسه كنموذج مقاوم مختلف عما خبرته حركات التحرير السابقة وتوج هذه المرحلة بالتحرير الذي حصل في العام 2000. وساعدته هذه التجربة على مزيد من الهيمنة، قامعا أي صوت معارض له في بيئته بالقوة. مانعا تشكيل أي معارضة ممكنة.

ستخدم خطابا ثوريا مؤمنا مع شعارات مثالية وسلوك ملتزم؛ ما أظهره في البداية مختلفا عن الحركات السياسية الأخرى بنظر الآخرين. ساعده في ذلك توفير شروط الالتفاف حوله من مختلف البيئات الاجتماعية المحلية الشيعية عبر الخدمات المتنوعة وعبر العمل على إنشاء مؤسسات من كل نوع: صحية وتربوية ورياضية وكشفية وترفيهية وخصوصا طقوسا ثقافية ودينية مستجدة. كما شغّل عبر مؤسساته المختلفة الكثير من الأيدي العاملة إضافة إلى التعويضات المالية لأهالي القتلى في صفوفه، جاعلا من الشهادة الهدف الأسمى للشبيبة وللأطفال الشيعة.

الآن وبعد أن تمكن من الإمساك بالبيئة الشيعية، سواء بالترغيب أم الترهيب، وأمن غطاءه المسيحي والدرزي يبحث عن الغطاء السني، كي تصح مقوله أنه حزب عابر للطوائف.

وفي ظل العقوبات على #إيران والحاجة إلى الالتفاف عليها لمحاولة تخفيفها تبدو الفرصة مؤاتيه للضغط على الرئيس المكلف لسحب آخر مصدر قوة له، أي صلاحياته التي ينص عليها الدستور. فإما ينجح فيؤمن غطاء له ولإيران تجاه العقوبات، وإذا لم ينجح "فمن بعدي الطوفان"، في ظل الخوف من الآتي المجهول في مجاهل الحرب السورية المعقدة.

رحم الله بنجامين فرانكلين القائل: "من يضحي بحريته في سبيل أمنه لا يستحق كليهما". الخوف كل الخوف على مستقبل الشيعة اللبنانيين، فكل تسلط إلى زوال، وحينها لن ينفع الندم.

يُنشر أيضاً على موقع "الحرة". 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard