روتردام ٤٧ – "موسمٌ في فرنسا": في انتظار الحياة…

2 شباط 2018 | 18:35

المصدر: "النهار"

ساندرين بونير واريك ابوانيه في "موسم في فرنسا".

"موسمٌ في فرنسا" للمخرج التشادي محمد صالح هارون من الأفلام التي أتيحت لنا مشاهدتها في مهرجان روتردام (٢٤ كانون الثاني - ٤ شباط)، هذا الأول له في فرنسا بعد مجموعة أفلام صوَّرها في بلاده، على الرغم من انه يعيش في فرنسا منذ ثلاثة عقود. انها حكاية عباس وولديه. يصل الثلاثة إلى باريس بعد هربهم من بلدهم الواقع في احدى جمهوريات افريقيا المنكوبة التي تتأكلها النزاعات السياسية منذ عام ٢٠١٣. في باريس، يتدبّر عباس (اريك ابوانيه) أمره، فيغرم بسيدة فرنسية (ساندرين بونير) ويطلب اللجوء. تلازمه ذكرى زوجته التي قُتلت على يد الميليشيات المسلّحة خلال الهرب. الا ان الجنّة الموعودة ستنهار تحت قدميه عندما ترفض الجهات الرسمية اعطاءه صفة اللاجئ، مما يضطره إلى العودة. محاولة أخرى للبقاء تفشل هي الأخرى. عباس محكوم بالانتظار ولا يملك غيره. مستقبله كله مرهون بقرار من الدولة الفرنسية. 

السعادة لفترة من الزمن.

خيوط الفيلم واضحة جداً، لا يطمح هارون إلى الكثير، هو يسعى إلى مقاربة قضية أولئك الذين يقدّمون كلّ التضحيات، من محاولة لنسيان ماضيهم والاندماج في المجتمع الجديد إلى تسليم كلّ مفاتيح وجودهم إلى البلد المضيف. لكنهم في الأخير يُجبَهون بالرفض والاستبعاد، رغم الخطر الذي يتهددهم. ينبذ الفيلم تصوير كلّ أشكال البؤس: فالأفارقة هنا يتكلمون الفرنسية بطلاقة (عباس كان استاذاً للغة الفرنسية في بلاده) ويتبادلون الكتب بعضهم مع بعض، وسلوكهم يشي بأنهم من الطبقة الوسطى. من خلال شخصية الإفريقي المحكوم بالعيش على هامش المجتمع، يحكي هارون حكاية تهميش وإقصاء وظلم، ويسأل ببعض الحرج سؤال المكان. لا يجنح الفيلم، رغم كلّ شيء، إلى تعذيب شخصياته والقائها في الفراغ، وانزالها إلى الجحيم. هناك دوماً هذا التوازن الذي يجعل ما لا يُحتمَل قابلاً للاحتمال. هارون ليس لئيماً، ليس بلا قلب أو ضمير. هو يريد ان يأكل العنب، لا ان يقتل الناطور. قضيته الشخص الذي يبحث عن مساعدة، لا ذاك الذي يرفض ان يساعده أحد.  

حياة جديدة في "وطن" جديد.

يرفض هارون ان يلعب لعبة البؤس. في مقابلة لي معه ذات مرة، قال: "ما ان يُقال انني "ناطقٌ باسم كذا وكذا"، حتى أصحح بأن سينماي لا تقوم الا على وجهات النظر، وبأن المسألة برمتها عبارة عن مخرج تلتقي نظرته بنظرة المُشاهد. ويكفي أن يجد المُشاهد، في لحظة ما، مَن يعبّر عن هواجسه أكثر مني، ليجعله ناطقاً باسمه. تلهمني الأزمة ويلهمني نقيضها. كوني أعيش في أوروبا، أتلمس يومياً هذا الاحباط الجماعي الذي ترتهن اليه مجتمعات باتت سوق العمل بالنسبة اليها القيمة الوحيدة. في المقابل، عندما أذهب إلى أميركا اللاتينية أو افريقيا مثلاً، أشعر بأننا لا نعيش على كوكب واحد. في أوروبا لديَّ شعور بأن السماء ستهبط على رؤوسنا، ومن فرط ما بات الحديث عن هذه الأشياء مكرراً، صار الأمر كأنه افتراضي. الناس في أوروبا باتوا عبيداً للوظيفة. هذا ما لم يفهموه. كلّ شيء مركز على هذه الوظيفة، حدّ انه اذا انتزعت منهم الوظيفة، انتزعت منهم الحياة". 

يتفادى الفيلم الشروع في ملف الهجرة واللجوء بأيادٍ غليظة، اذ يعمل وفق منطق الإيحاء بالأشياء. كفّه ناعمة وهاجسه مقاومة الأفكار المعلّبة حول هذا الملف. هذه نزعة قوية جداً عند هارون. الا اننا في الحقيقة، اذا نظرنا عن كثب، فسنكتشف، كما في معظم الأفلام المهمة، ان خلف الموضوع في سياقه البسيط والمباشر، مواضيع أكثر تعقيداً، أولها عزلة الكائن الذي ينتظر ان يجد موطئ قدم في عالم يعلن عداء صامتاً له. لا يبدي الفيلم اهتماماً كبيراً بالإجراءات الإدارية والبيروقراطية الفرنسية، مفضلاً الإهتمام بالعائلة ولحظات الدفء القليلة، أو الغضب والفرح اللذين يمدان خطابه الإنساني بقدر أكبر من الصدقية.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard