اللبناني محمد فقيه حوّل غربته إلى نجاحات واستثمارات عالمية

21 نوار 2017 | 18:59

المصدر: "النهار"

يتميّز بعض اللبنانيين أينما حلّوا، يعملون في بلدهم ويكدّون بالرغم من الصعاب، وفي الإغتراب يبرعون ويعرفون كيف يقتنصون فرص النجاح والتفوّق، من هؤلاء الشاب اللبناني رجل الأعمال محمد فقيه. في الغُربة جعل فقيه الصعب سهلاً وحوّل المستحيل إلى إمكانات كبيرة. أبى أن تختصر الحرب اللبنانية وتداعياتها أحلامه، ورفض الخضوع للواقع المدّمر الذي سيطر على البلاد في تلك المرحلة.

هاجر فقيه إلى كندا وحطّ فيها رحاله، وبنى هناك اسرة راسما مستقبله بعصاميته ونضجه، ومكتسبا القوّة والصمود من اغترابه. زرع عملاً وتعباً وحصد نجاحات وإنجازات وما أكثرها.

من كندا حاورت "النهار" هذا الرجل الأربعيني الذي حمل في صوته الحنين والإنتماء إلى وطنه عبر الهاتف. ومما قاله: "لبناني أنا، أتحدّر من قرية "طيردبا" الجنوبيّة في قضاء صور، تربّيت على قِيَم المحبّة والتواضع، وحملتهما ذخيرة دائمة حيثما أقمت، في بلدي أو في بلاد الإغتراب".



من المجوهرات... إلى المطاعم

تخصص فقيه في تصميم المجوهرات ثم دخل عرين المقاولات، وبينهما عمل في التجارة حاملاً مشعلها بشطارة وذكاء ليؤسّس وبدعم معنوي من عائلته مطعماً عربياً لبنانياً، تطوّر ليصبح اليوم من أكبر مجموعة المطاعم باسم Paramount Fine Foods)) التي تخطت السبعين فرعاً في كندا، أميركا، لبنان وبعض الدول العربية.

يؤمن فقيه بالحق والإرادة وبالقدرة على التفوّق. جاهد وكافح بلا كلل ولا ملل، فكانت انطلاقته الكبيرة في Paramount Fine Foods.

لماذا هذا المجال تحديداً؟ يروي: "انطلاقة المطعم بدأت غريبة بعض الشيء، والفضل يعود إلى زوجتي التي دعمت المشروع وشجّعتني على خوض غماره. كانت البداية يوم طلبت منّي إحضار حلوى لبنانيّة "بقلاوة" لتكريم ضيوف جاؤوا لزيارتنا، فدلّتني إلى محلّ يبيع البقلاوة في منطقة معزولة نسبيّاً حيث نقيم في كندا، فقصدته، وهناك حصل ما لم يكن في الحسبان".

ماذا جرى؟، "صاحب المحل مديون لمصرف وعليه أن يدفع مبلغاً كبيراً في غضون خمسة أيام. وبما أني من رجال الأعمال المعروفين في الجالية اللبنانية هناك، عرفني وطلب منّي إقراضه مبلغ 250 ألف دولار ليسوّي أوضاعه المالية والمهنية. تركته عائداً أدراجي إلى البيت حيث أخبرت زوجتي بما حصل، فإذا بي أفاجأ بموقفها الداعم لإقراض الرجل حفاظاً على ما يقدمه هذا المحل من بقلاوة وشاورما من أجل إبقاء إسم لبنان عالياً في هذه الأنواع من الأطعمة".

يضيف: "يومان مرّا على الحادثة وإلحاح زوجتي، منّيتُ نفسي فيهما بإضاعة أرقام هاتف الرجل، إذ كيف لي أن أفرّط بمبلغ كبير وأنا لي مشاريعي الكثيرة في المقاولات ولديَّ محل لبيع الألماس. وكانت صبيحة ذلك الإثنين التي حملت اتّصالاً من الرجل يعاود فيه طلب المبلغ المالي المذكور، فوافقتُ، وإذا بي أفاجأ به يتنازل عن محله لي، بسبب عدم قدرته على تسديد المبلغ لاحقا".

في تلك المرحلة، يفيد فقيه، كان المطعم العربي في كندا المثال الأسوأ لناحية النظافة والخدمة، والأفضل لناحية النكهة اللذيذة، فقرّر خوض غمار هذه التجربة مستنداً إلى دراسة أعدّها عن كلفة المشروع التي جاءت مرتفعة جدّاً.

في العام 2007 أسّس محمد فقيه الفرع الرئيسي للمطعم وكان يعمل ما يقارب الـ17 ساعة في اليوم، موضحا، "كنت أنظّفُ الطاولات وأشارك في المطبخ والأعمال المطلوبة، يومها لم أكن أعلم أن سرّ نجاح أي عمل يكمن في الـ Système وحسن الإدارة، فكنت أخسر بشرف مع ابتسامة عريضة لعلمي المؤكّد أن الخسارة ستتحوّل ربحاً بإذن الله".

هل لديك شركاء؟، يجيب: "شريكي هو إدارتي الحكيمة، وأحبائي الموظّفين الذين وقفوا إلى جانبي وتحدّوا معي أصعب الظروف، ولهم أقول أنتم شركاء وأفتخر بكم".



فقيه يستثمر في لبنان؟

نعلم أنك في صدد افتتاح فروع في لبنان إلى الفرعين الأساسيين، ألا تخاف من الاستثمار على أرض الوطن في ظل الوضع القائم فيه؟

"لا إطلاقاً"، يجيب: "بدليل أننا سنفتتح فرعاً بعد شهر رمضان، وآخرين هما قيد الإنشاء، وهكذا يصبح عدد مطاعمنا في لبنان خمسة. وقد نتطلع إلى خوض الاستثمار في مجال العقارات وغير ذلك".

هل تزور لبنان؟ وماذا تعني لك طيردبا؟. "بالطبع أزور لبنان، أحياناً بداعي العمل وأخرى لزيارة الأهل والأصدقاء. طيردبا هي الماضي والحاضر والمستقبل، هي ذكريات الطفولة الحلوة، هي الحنين الذي يشدّني لأجمل لقاء، لقاء الأرض والتراب والزرع الأخضر".

أنت صاحب سلطة ومال في تورونتو، ويمكنك أن تترشّح للانتخابات. يقول بصراحته الواضحة: "أنا أخوض الانتخابات من خلال دعمي لمرشحين على مقاعد نيابيّة معيّنة، وقد كان لتدخلي المباشر والجالية اللبنانية تأثيراً في انتخابات العمدة في ثلاث مناطق في كندا. وإذا كان الكل يودّ الترشّح فمن يصوّت إذاً؟ أنا أحتفظ بحقّ التصويت أكثر من حقّ الترشّح".

"من التجارة... إلى العمل الإنساني!

بعيداً من الأعمال والتجارة، لديكم نشاطات انسانية متعدّدة، هل لنا التعرّف إلى جزء منها؟.

العمل الإنساني هدف وأساس في حياة فقيه، "له أخصّص الوقت والجهد والمال، إذ ما نفع الربح وأين السعادة إذا كانت مبنيّة على الأنانيّة وغيرنا يتألّم؟ ومن الأعمال التي أقوم بها في هذا المجال تغطية تكاليف عمليات التشوّه الخلقي في الوجه لكل طفل يحتاج إليها، كما نساهم في مكافحة سرطان الثدي عند النساء".

هل من مساعدات تقدّمونها للبنان؟ "مساعداتنا محصورة بالمؤسّسات الرسميّة المعترف بها عالمياً، كما نقدّم مساعدات فردية الى ابناء قريتي الذين هم في حاجة إليها".

أنت تنتمي إلى وطنَين، لو خُيّرت بالتخلّي عن إحدى الجنسيّتَين، عن أيّهما تتخلّى؟. "أتخلّى عن الجنسيّة اللبنانية لأخدم بالكندية بلادي وأهلها. للأسف، الجنسيّة اللبنانية تحدّ من طموحاتنا ونجاحاتنا خارج حدود الوطن، بينما الجنسيّة الكنديّة تتيح لنا توظيف أبناء بلدنا في مؤسّساتنا وتساعدنا على الإستثمار في أرض الوطن".

وعمّا يحب فقيه في لبنان وما الذي يحبّه في كندا، يقول، "أحب في لبنان "لبنانيّته"، طقسه، بحره، شمسه، بعض ناسه، الفرح، السعادة. وأكثر ما يزعجني فيه هذه الفوضى العارمة، وارتباطه ديمقراطياً وتجارياً بالسياسة.



أما ما أحبّه في كندا، فهو إنسانية الإنسان واحترام الفرد. يكفي أن يكون الإنسان على أرض كندا ليتمتّع بكامل حقوقه بعيداً من كل ما يُسمّى تمييز أو عنصريّة".

ماذا يعني أن يحمل الإنسان هويتَين وينتمي إلى بلدَين؟ إنه احساس جميل جدّاً، يشعر فيه الإنسان بانتمائه لبلد غير بلده الأمّ ويعزّز لديه محبّة وطنه ويعرف قيمة جنسيّته الأم التي يحمل هويّتها، إضافة إلى شعور الإنتماء لبلد احتضنه وأعطاه كل شيء".

محمد فقيه إنسان مغامر ترك بصمة في أعماله حيثما اختار أن يعمل ويستثمر. حصد الكثير من الألقاب والجوائز، واختير في العام المنصرم من بين أفضل 16 شخصية ناجحة ومؤثرة في الإقتصاد الكندي، ومن بين أفضل 25 شخصية مهاجرة لسنة 2017. فهل نقول لشبابنا: لا تهاجروا؟

nicole.tohme@annahar.com.lb

Twitter: @NicoleTohme


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard