لماذا تنجح اسرائيل ونفشل نحن؟

5 تشرين الثاني 2015 | 16:02

هناك واقع أن اسرائيل تنجح في الابداع وخلق الشركات الصغيرة، بينما نتأخر نحن في هذا المؤشر في كل الأقطار العربية. حققت اسرائيل في فترة 1950 - 1955 نسب نمو سنوية قدرها 13% وثم 10% في فترة الستينات أي انطلاقة كبيرة وقوية تحضيرًا للعولمة والتحرّر الاقتصادي الدولي.

خلقت الحكومات الاسرائيلية برنامج "يوزما" أي المبادرة لتمويل الأفكار الجديدة كي تصبح حقيقة. شكل الدخل الفردي الاسرائيلي 25% من الدخل الأميركي في سنة 1950 وأصبح 60% منه في سنة 1970. الخبرة لا تكفي اذ ترتكز على الماضي، فنحن في حاجة الى الرؤية الضرورية لبناء مستقبل أفضل للشعوب العربية. هناك محاولات تبذل في المنطقة العربية، لكننا لم نتوصل بعد الى المؤشرات الاسرائيلية التي تتفوّق عالميًّا. نحتاج الى رؤية اقتصادية جديدة مبنية ليس فقط على الأمجاد الماضية، وانما على تخيل أو تصور مستقبل أفضل واقعي للاقتصادات والمجتمعات العربية. نتمتع عربيًّا بثروات بشرية ومادية كبيرة، لكننا لم ننجح في الاستفادة منها لمصلحة المنطقة من نواحي النمو والتنمية والتطور. كيف يمكن النجاح في الاقتصاد العالمي من دون أفكار جديدة تسدّ الخسارة الحاصلة في الايرادات العامة نتيجة انخفاض أسعار النفط؟ كيف يمكن تطوير القطاعات العربية وتنويع الاقتصادات من دون أفكار منطقية وواقعية جديدة تنقلنا الى مواقع أفضل وأعلى؟ نحتاج الى أفكار خلاقة تساوي التحديات المتنوعة والخطيرة التي نواجهها في كل أنحاء المنطقة العربية.

 

يقول الاقتصادي الفينيزوالي "ريكاردو هاوسمان" أن لكل الدول مشاكل وتحديات. وما أدهشه بالنسبة إلى اسرائيل هو الرغبة في مواجهة المشاكل وجعلها فرصا للتطور والتقدم. هذا الدافع النفسي والعقلي موجود في اسرائيل وغائب في معظم الدول الأخرى. من الأمثلة المعروفة المياه التي تحتاج اليها اسرائيل، كما الزراعة التي نجحت فيها بسبب اعتمادها على التكنولوجيا الحديثة بنسبة 95%. وفّرت في استهلاك المياه ورفعت الإنتاجية الزراعية في أوقات سريعة. خلال 25 سنة، رفعت اسرائيل انتاجيتها الزراعية 17 مرة. تتقدم اسرائيل المجتمع العالمي في تدوير المياه أي بنسبة 70% أو 3 مرات النسبة الاسبانية الثانية عالميا.


في سنة 2008، شكلت الاستثمارات الاسرائيلية في الابداع 2,5 مرات الاستثمارات الأميركية نسبة للشخص الواحد، 30 مرة الاستثمارات الأوروبية، 80 مرة أكثر من الصين و350 مرة أكثر من الهند. تنفق اسرائيل 4,5% من ميزانيتها على البحث والتطوير وهي الأعلى في العالم مقارنة بـ 3,2% لليابان و2,7% للولايات المتحدة. حتى في فترات الحروب 1967 و1973، لم يتأثر الإنتاج الإبداعي كما تشير اليه الاحصائيات والدراسات. هنالك عوامل عدّة داخلية وخارجية جعلت التقدّم الاسرائيلي في التجديد والابداع يحصل، بل يتفوّق على أفضل الاقتصادات الغربية. تبعًا للكاتبين "دان سينور" و"ساول سينغر"، تعتبر اسرائيل أهم مجتمع إبداعي في العالم، وهي كانت مثلا وراء اختراع السيارة الكهربائية بحيث يخفُّ الطلب على النفط، فتنخفض أسعاره وتتأذى الدول العربية النفطية. نوجز فيما يلي أهم أسباب النجاح الاسرائيلي، وليس هنالك ما يمنع من الاستفادة من معظمها ونطوّرها لمصلحة شعوب المنطقة.


أولا: اسرائيل مجتمع صغير بمعاني عدد السكان والمساحة مقارنة بالمجتمعات العربية المترامية الأطراف جغرافيًّا وسكّانيًّا. تملك اسرائيل الرأسمال البشري، ونحن نملك الرأسمالين البشري والمادي. تواجه اسرائيل تحديات بكل ما للكلمة من معنى، لكنها تستطيع الاستمرار في التطور والخلق والابداع. هل إن التحديات هي دافع للتقدّم، اذ في مجتمعات أخرى تكون عموما دافعًا لليأس والتقاعس والكسل؟ هل إن صغر الحجم النسبي يدفع الى التخصّص في النوعية، حيث إن الكمية في عالمنا اليوم لا تنتج الخير كالسابق. لا يمكن إنتاج نوعية من دون عقل أو آلية تعتمد على الإبداع والتجدّد.


ثانياً: "الحاجة أم الاختراع" وقد ساعدنا اسرائيل بطريقة غير مباشرة. فمقاطعة اسرائيل اقتصادياً في العقود الماضية، بدل أن تؤذي الاقتصاد، شكلت دافعاً للتطور والتحدي والنجاح. تنتج اسرائيل سنويا 3850 شركة جديدة تنبع من أفكار خلاقة بالعدد نفسه، أي شركة لكل 1844 اسرائيلي. بعد أسهم الشركات الأميركية المتداولة في بورصة "النازداك"، تأتي أسهم الشركات الاسرائيلية متقدمة على أوروبا وآسيا.


ثالثاً: لا يخشى المجتمع الاسرائيلي من الفشل الابداعي، فتستمر المحاولات للنجاح. عندما تفشل فكرة ما، ينتقل المبدعون الى فكرة أخرى ويستفيدون من التجربة السابقة. فالرغبة في الاستمرار، مدعومة من الحكومة والتمويل العام، أعطت نتائج أفضل بكثير مما حصل في مجتمعات أخرى. هنالك 20% نسبة نجاح للأفكار الجديدة كما تشير اليه دراسات عالمية.


رابعا: لأن الحدود البرية الاسرائيلية مقفلة، ركزت اسرائيل على إنتاج السلع الخفيفة ذات القيمة المضافة المرتفعة، والتي يمكن نقلها في الجو بتكلفة معقولة. من هذه السلع تلك المرتكزة على التكنولوجيا المتطورة.


خامسا: التقارب الكبير بل التحالف بين الجيش والمجتمع المدني الاسرائيلي الذي يخلق ديناميكية لا تعرفها حتى المجتمعات الغربية. فالجيش الاسرائيلي مركز للإنتاج بحيث تتطوّر فيه الأفكار خاصة في فترات التجنيد الاجباري الذي يدوم طويلا. فالانضمام المؤقت للجيش لا يشكّل مضيعة للوقت والفرص، بل على العكس مصدرًا للتقدم والتطور والابداع على عكس أكثرية التجارب العالمية الأخرى.


سادسا: مرونة القطاع الخاص الاسرائيلي أعطته صدقية عالمية مرتفعة اذ لم يتأخر في احترام العقود حتى في فترات الحروب. كانت الشركات تنتقل من أماكن الى أخرى ويستمر الإنتاج وتحترم العقود. الحروب لم تشكّل مبررًا للتأجيل والتبرير وسؤ الاداء، بل كانت دافعًا للنجاح بل لإعطاء صورة أفضل عن الاقتصاد والشركات.


سابعا: لم تشكّل الهجرة الى اسرائيل لأسباب دينية أو عرقية أو سياسية أو غيرها الثقل الذي يخاف منه السكان، بل استفادت اسرائيل الى أقصى الحدود من القادمين اليها في كل القطاعات والعلوم والأعمال والمهن. فالمهاجرون عمومًا يأتون لتحسين أوضاعهم، وبالتالي لا يخافون من المخاطرة في سبيل النجاح.

 

استثمر القادمون الى اسرائيل في الأعمال ونجح أكثرهم. قسم كبير أتى من دول متطورة وكانوا ناجحين في مهنهم فأفادوا اسرائيل كثيرا. في فترة 2000 - 2005، ارتفع الاستثمار الخارجي المباشر في اسرائيل 3 مرات واستفادت منه كل القطاعات بما فيها البنية التحتية الأساسية للتقدم والتحديث والتطور.
تقرير حديث لصندوق النقد الدولي عن اسرائيل يعطي أسبابا لعدم اصابة الاقتصاد بالركود الكبير، أي بأزمة 2008 المستمرة عالميا وهي: الرقابة المصرفية الجيدة، الانضباط المالي، التركيز على تحقيق الأفكار الابداعية والرغبة الدائمة في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية المستمرة مما يشكل دافعا للتميز والنجاح. فالتكنولوجيا والإبداع ليست أهدافا بحد ذاتها، انما وسائل أساسية للتطور والتقدم. يشير التقرير الى وجود نسبة بطالة في حدود 5% وتضخم بنسبة 2%. عجز الموازنة لا يتعدى 3% من الناتج ودين عام يساوي 70% من الناتج نفسه. أما ميزان الحساب الجاري، فإيجابي بالرغم من الفاتورة النفطية ويساوي 4% من الناتج مما يسمح للمصرف المركزي بتعزيز الاحتياطي النقدي حتى 90 مليار دولار. جميعها نتائج ممتازة في ظروف صعبة ليس فقط على اسرائيل نفسها وانما على الدول العربية والمجتمع الدولي أيضا. الدروس لنا واضحة ويجب أن نحاول الاستفادة من تجارب الأعداء قبل الأصدقاء والحلفاء.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard