لمن تعود الرفات التي دفنتها أم كايد إن لم تكن لابنها؟

7 كانون الأول 2014 | 12:12

المصدر: "النهار"

هي واحدة من الأمهات التي أجبرت على دفع فاتورة باهظة للحرب الأهلية اللبنانية، هي من خسرت ثلاثة شبان لا واحدًا، ورغم دفنها لرفات قيل لها إنها تعود لابنها، إلا أن قلبها يأبى تصديق أنها تعود لفلذة كبدها. هي الحاجّة أم كايد المتعطشة لرؤية أولادها بعد فراق صار عمره سنوات، وروتها الحياة من كأس نارها، تاركة اياها جسدًا بقلب محترق، زادته الأيام لهيباً مع كل خبر عن مكان احتجاز اثنين منهم.

جالسة على سريرها، واضعة كفها على خدها، تستعيد الوالدة التي فجعت وهي في مقتبل عمرها شريط ذكرياتها الأسود الذي يعود إلى عام 1977، قالت وقد جفّ الدمع في عينيها: "باختصار اغتيل علي من قبل منظمة الصاعقة في أول سنة للحرب، أما ولداي صالح واسماعيل فأوقفا من قبل فصيل هاجم المخيمات العام 1985 ثمّ سلّمهما بعد سنتين إلى المخابرات السورية، وإلى اليوم تأبى الدولة التي أسمت نفسها شقيقة الاعتراف بهما".
واستطردت: " في العام 1977 هربت وأولادي الاثني عشر، ثماني بنات وأربعة شباب إلى الشام، أما والدهم فكان يعمل خارج لبنان، وكان علي ابن ستة عشر ربيعاً يتابع تعليمه. ملّ البقاء وأصرّ على العودة إلى لبنان. عناصر في منظمة "الصاعقة" واسمها الرسمي "طلائع حرب التحرير الشعبية - قوات الصاعقة"، كانوا يخشون ذكاءه وأن يصبح يوماً مسؤولاً في المنظمة، أرادوا التخلص منه، فبعثوا بابن جيراننا في مخيم شاتيلا ليطلق رصاصة واحدة عليه، أصابه في عنقه وأرداه قتيلا".

خسارتان في آن
صمتت، وبدأت ترتجف، فالقصة التي ترويها لم تشاهدها من خلال شاشة تلفزيون، بل كانت وأبناؤها أبطالها في الواقع، وقد أجبرها مؤلفها أن تخسر شابين آخرين قبل أن يهمد ثوران قلبها على أول فقيد، وأكملت: " أول ليلة قبل بدء شهر رمضان من العام 1985، كان صالح ابن الخامسة عشرة طالبًا في الصف الثالث متوسط في مخيم شاتيلا بعد أن خرجنا منه وسكنّا في الطريق الجديدة، كما أن اسماعيل 22 عاماً كان يعمل في مجال البناء، أراد في الليلة نفسها توديع أصدقائه في المخيم نفسه، الذي قرر عدم زيارته حتى نهاية شهر العبادات، وما إن حلّ الظلام هاجمت خفافيش الليل المخيم، وبدأت بإطلاق النار، فهمّ اسماعيل بالهرب، فأصيب برصاصة في وركه".
لم تترك الحاجّة مستشفى إلا قصدته، ولفتت: "احد مستشفيات العاصمة أكد لي أن مسلحين يأتون باسماعيل لعلاجه بعد منتصف كل ليلة، ثم يأخذونه، اذ يأبون أن يبيت ليلته خوفاً من هربه".

"دفنته لكنه ليس ابني"
على الرغم من تسلّمها رفاتًا من أصل 78 أعادها فصيل شارك في حرب المخيمات الى ذويها في العام 1985، لكن الحاجّة رفضت التصديق انها تعود لولدها، ولم تجر فحوصات الحمض النووي كما ترفض ذلك اليوم وقالت، "أبلغوني ان الرفات تعود لاسماعيل، لكن لم ولن أصدق، نعم حملتها، حفرت قبراً وطمرتها بيدي، لكن قلب الأم دليلها، فأنا لا أشعر بشيء عند زيارة ذلك القبر، توقفت عن المجيء لمناجاته، وأكملت رحلة البحث عن روحي".

رحلة بحث شاقة
"صاحبة سينما الشرق على مدخل مخيم شاتيلا تمّ توقيفها ونقلها إلى سوريا، وهي في سجن فلسطين، سألت عن ولدي عبر كتابة سؤال على حائط حمام السجن: هل يتواجد صالح واسماعيل هنا؟ فجاء الرد نعم، عندها تأكدت أنهما لا يزالان على قيد الحياة، على الرغم من عدم اعتراف الدولة السورية بهما". وبحسب أم كايد "تواصلت مع الطبيب الذي يعالج السجناء بعد طول عناء، من خلال جولة قام بها على كل السجون في الشام لكنّه لم يجد أثرًا لهما".

"طاقة تبصير"
حاجتها إلى بصيص أمل دفعها إلى عالم التبصير، فقصدت الوالدة المطعونة بخنجر الحياة احدى البصّارات التي أبلغتها أن ولديها موجودان في سجن قامت بوصفه لها بالتفصيل، حملت حديثها ونقلته الى طبيب السجون، فقال لها ما تصفينه هو سجن تدمر.
عن طريق هذا الطبيب تواصلت الحاجّة مع لواء في الجيش السوري فطلب منها الانتظار كي تسنح الفرصة ويريها ابناءها، أمضت أم كايد سبعة وأربعين يوماً في سوريا مرّت عليها كسبع وأربعين عاماً من دون أن تكحل عينها برؤية ولو ولد واحد منهما".

نهب واحتيال
كثُر المصطادون في بحر آمال أم كايد، والمدّعون أن باستطاعتهم ايصالها ولو إلى طرف خيط ، تستذكر "جاءني أحدهم بعد ثلاث سنوات على اختفاء صالح واسماعيل، وأكد لي ان باستطاعته ايصالي إلى ابنائي شرط أن أدفع مبلغ ألفي دولار عن كل شاب، وبعد أخذ ورد خفض المبلغ إلى ألف وخمسمائة دولار وضعته في ظرف وانتظرته، وبعد أن شرب القهوة طلب مني أن أبقي المبلغ في حوزتي حتى إتمام الصفقة، لكن ما اكتشفته بعد رحيله أنه استبدل الظرف بآخر يحتوي على 7500 ليرة لبنانية". ثم أضافت: "هو لا يعلم أنه سرق أملي قبل أن يسرق مالي".

"وقاحة" الحياة
لم تكتفِ الحياة بثلاث جمرات وضعتها في قلب أم كايد، فأضافت إليها واحدة جديدة بحرمانها من ابنتها مها وهي في ربيع عمرها نتيجة معاناتها مع مرض السكر، الذي تحكّم بها بشدة بعد توقيفها لأيام من قبل المخابرات السورية.
الجمرة الخامسة التي بدت وكأن الحياة وضعتها فوق الجمرات الأربع السابقة قبل أن يطفأ لهيب نارها، كانت بوفاة ابنتها أمل نتيجة لمرض أصابها قبل سنوات.
نعم، انتهت الحرب! لكن شظاياها لا تزال محفورة في أرواح الكثيرين. وإن لم تحطم أم كايد فبكلّ تأكيد هشمتها!
اما إثارة قصة أم كايد اليوم فهدفها الاستجابة لطلبها في فتح ملف مفقودي الحرب بطريقة جدية ومسؤولة، لا أن يسلّم الأهالي صندوقاً خالياً من المعطيات التي انتظروها لسنوات.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard