ألو الغربة... هنا لبنان

24 تموز 2020 | 09:40

المصدر: النهار

"ألو الغربة... عذراً منكِ فأنا لم أكن أعلم مدى قساوة الكلمات التي نعتُّك بها في الأيام السابقة"

"ألو الغربة... عذراً منكِ فأنا لم أكن أعلم مدى قساوة الكلمات التي نعتُّك بها في الأيام السابقة"،

عذراً منك على وصفك بـ"الغربة"، كنت أعتقد أنّ الغربةَ عن الوطن هي الأقسى، ولم أكن أدري أنّ الغربة الحقيقية هي أن تكون في وطنك غريباً.

الغربة هي أن تقطنَ وطناً ليس بينك وبينه من مشترك، فتصبح غريباً عن حكّامه الذين استفردوا بك ونهبوا أموالك وصادروا أحلامك ومستقبل أولادك، وتؤول غريباً عن خريطته التي باتت تنادي بدولة الفقيه وتنفذ تطلعات ورؤية سياسية معينة. أما التي كنا أنا وجيلٌ من الشباب نفتخر بها، هي التي تنادي بالتنوع الثقافي وحبها للفنّ وانفتاحها على كافة الحضارات.

أُريدكِ أن تعلمي أيتها الغربة، أننّا كشعب نحب المقاومة، أعني مقاومة الفساد والسلاح غير الشرعي ومقاومة التعدي على شرعية الدولة؛ فوَجَدنا أنفسنا نقاوم في اليمن وسوريا والعراق وفلسطين وندفع مقابل ذلك أثماناً باهظة.

أما عند وصفك بـ"القاسية"، فأنا اليومَ أعرِفُ كم كنتِ رحومةً معي ومع عائلتي، فأنتِ حضنتنا بينما وطننا رَكلنا، وأضحينا مع كل شروقٍ للشمس نشهد على ركلةٍ جديدة:

نُركل حين ندفع فاتورة كهرباء لم نبصر نورها.

نُركل حين نذهب إلى المصرف لسحب أموالنا وجنى عمرنا فيمنعوننا.

نُركل حين نهَدَّد بلقمة عيشنا.

نُركل حين يأكل الداء جسدنا لأن سعر الدواء بات أغلى من سعر الذهب.

نُركل حين نشهد على إقفال المدارس والمستشفيات ولا من حسيبٍ أو رقيب.

نُركل حين نرى أصدقاءنا وأقرباءنا قد صُرفوا من أشغالهم وباتوا قابعين في البيوت ولا من يعيل أطفالهم.

فأنا أيتها الغربة، دموعي لم تجفَّ منذ أن غادرتك يومها، بينما جفن الذين تسببوا ببكائي لم يرِّفَ يوماً.

نعم، أنا نادم على أقوالي السابقة، وأكرر اعتذاري، وأطلب منك ألا توصدي الأبواب بوجهي، فأنا إن جئت إليك، سأكون مرتاح الضمير لأنني لمست أنّ كلّ غربةٍ هي وطن حين يكون الوطن جحيماً.


والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard