كورونا تفشى في روسيا... لماذا بقي بوتين غالباً في الظلّ؟

19 نوار 2020 | 10:46

المصدر: "النهار"

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - "أ ب"

"كان من المفترض أن يكون أيار 2020 حفلة الذكرى العشرين (لولادة) البوتينيّة، لكن تمّ إلغاء الحفلة." هكذا قرأت المحلّلة في الشؤون الروسيّة سوزان غلاسر تداعيات جائحة "كورونا" على محطّة أساسيّة في مسيرة الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين.


معالجة حازمة.. ثمّ مضطربة

أثار أسلوب بوتين في التعاطي مع فيروس "كورونا" ملاحظة بارزة: في كلّ المحطّات الصعبة، اعتاد الروس أن يروا رئيسهم في الواجهة الإعلاميّة كإشارة على تولّيه زمام الأمور. لكن خلال أزمة كورونا بدت الأمور معكوسة إلى حدّ بعيد. رأى الباحث المشارك في برنامج أوراسيا التابع ل "معهد أبحاث السياسة الخارجية" فابريس ديبريز أنّ تحرّك روسيا جاء في البداية سريعاً وواسع النطاق خصوصاً عند المقارنة مع الدول الغربيّة.

ظلّت أعداد الإصابات مضبوطة إذ لم تتخطّ المئة حتى 16 آذار. دفع ذلك بوتين في اليوم التالي لتوقّع أنّ الوضع "أصبح تحت السيطرة عموماً". يعتقد ديبريز أنّه حين كان التهديد خارجيّاً نجحت روسيا في التعامل معه، لكن حين تفشى داخليّاً أصيبت بالاضطراب.

من 16 آذار وحتى 17 أيّار، قفز عدد الإصابات من مئة إلى 281752. تمثّل روسيا اليوم ثاني أكبر دولة في العالم من حيث إجمالي عدد الإصابات بعد الولايات المتّحدة. أمّا من حيث الإصابات النسبيّة، فيتغيّر موقع روسيا الى الواحد والثلاثين عالميّاً مع 1931 إصابة بالمليون حتى التاريخ نفسه. ويبقى عدد وفياتها منخفضاً مع تسجيل 2631 وفاة أي ما يوازي 18 بالمليون وهي تحلّ في المرتبة 36.

قد يعود ذلك إلى طريقة تعداد روسيا للوفيات الناجمة عن الوباء، إذ على المتوفى أن يكون قد فارق الحياة بسبب أثر مباشر للفيروس كالتلف الرئويّ. بينما في الغرب، إنّ أيّ وفاة تحصل أثناء الإصابة بكورونا، يتمّ إحصاؤها على أنّها وفاة بسبب الوباء.


ليست "أزمته المفضّلة"

إنّ القفزة الكبيرة التي سجّلتها روسيا منذ أواسط آذار وبلوغ عدد الإصابات في الأسبوع الماضي ما معدّله 10 آلاف إصابة يوميّاً أمر مقلق للكرملين. ومع ذلك ثمّة بوادر في أن تكون البلاد قد خرجت من ذروة التفشّي. انتشر فيروس كورونا داخل روسيا في وقت سعى بوتين إلى تمرير تعديلات دستوريّة تتيح له البقاء في الحكم حتى سنة 2036 بعد تنظيم استفتاء شعبيّ. المشكلة أنّه تمّ تأجيل هذا الاستفتاء بموازاة تراجع في شعبيّة بوتين التي وصلت إلى مستوى متدنّ تاريخيّاً ب 59% خلال الأسبوع الأوّل من أيّار.

الباحثة البارزة في الشؤون الروسيّة في "المجلس الأوروبّيّ للعلاقات الخارجيّة" كادري ليك تعتقد أنّ تراجع شعبيّة بوتين يعود إلى أنّ هذه ليست الأزمة المفضّلة لديه. فقد بنى الرئيس الروسيّ شعبيّته على ضرب أعداء واضحين وعلى قدرة الحشد والتعبئة وإبراز البطولة. قدّمت ليك الشيشان والقرم وسوريا كأمثلة على الأزمات التي تشكّل تربة خصبة لازدهار صورته.

لكنّ كورونا ليس عدواً محدّداً ذا تصميمات شريرة، مضيفة أنّه لا يتطلّب حشداً للقوى بل على العكس من ذلك، هو يتطلّب نوعاً من الشلل. وثمّة أيضاً غياب لبطل واضح على طريقة السوفياتيّة، فالمهندسون والجنود والأطبّاء يجب أن يكونوا امتداداً للبطل الأساسيّ لا البطل نفسه.

أصيب عدد من المسؤولين الروس بكورونا: الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، رئيس الحكومة ميخائيل ميشوستين، وزيرة الثقافة ليوبيموفا ووزير البناء فلاديمير ياكوشيف وأحد نوّابه. أعلن ميشوستين الذي تعافى مؤخّراً أنّ بلاده نجحت في "وقف تمدّد" الوباء ذاكراً أنّ الوضع لا يزال "معقّداً". وتمثّل موسكو مركز الانتشار في روسيا إذ إنّها سجّلت حوالي نصف العدد الإجماليّ من الإصابات والوفيات. يتولّى عمدة موسكو سيرغي سوبيانين إدارة الأزمة في العاصمة.

لحظة سوبيانين

توقّع البعض أن تكون اللحظة الحاليّة لحظة سوبيانين بما أنّه ينشط ميدانيّاً ويزور المستشفيات ويصدر الأوامر بالإغلاق العام. يؤكد الخبير البارز في شؤون روسيا وأوراسيا في "المعهد الدوليّ للدراسات الاستراتيجيّة" ومقرّه لندن نايجل غود-دايفس أنّ لسوبيانين "موقعاً فريداً" فهو "يحظى بثقة بوتين، وذو خبرة عالية، ويدرك كيف يعمل النظام". بالنسبة إلى الأكاديميّ، من الصعب رؤية أي شخص آخر يمكنه التدخّل لصالح بوتين. وأضاف أنّ ميشوستين وصل حديثاً إلى رئاسة الوزراء وهو غير معروف كثيراً.

ترك أسلوب بوتين المراقبين يتساءلون حول أسباب ابتعاده عن الواجهة. من بين الاحتمالات التي وضعها ديبريز، سعي الرئيس الروسيّ إلى تفادي المسؤوليّة في حال سارت الأمور بطريقة سيّئة مع الجائحة. بذلك، يصبح بوتين الملاذ الأخير للحلّ بدلاً من أن يكون "مصدراً للمشكلة" بحسب هذا الاحتمال.

بينما رأت ليك أنّ غياب بوتين لا يعني بالضرورة إحساسه بالضعف، أو حتى أنّ هذه هي المرّة الأولى التي يلجأ فيها إلى هذا الخيار. ثمّة أمور تقنيّة يفضّل بوتين عدم مناقشتها مثل الاقتصاد، إذ حين انهار الروبل عقب ضمّ القرم، تحدّث الرئيس الروسيّ بإسهاب عن الجبهات الأماميّة لكنّه لم يتقن شرح مسار العملة المحلّيّة.

في إجابتها على سؤال "النهار"، رأت ليك أنّ تصاعد شعبيّة سوبيانين غير مهدِّد لبوتين، لأنّ الحكّام المحلّيّين لا يشكّلون خطراً على موقع الرئيس الروسيّ حتى ولو ارتفعت شعبيّتهم بشكل موقّت، وفقاً لرأيها.

من جهته، يوضح غود-دايفس ل "النهار" أنّ سوبيانين "ليس تهديداً سياسيّاً" بالنسبة إلى بوتين. فهو "يثق" به، ولهذا السبب سمح له أن يؤدّي دوراً علنيّاً منذ بداية الأزمة. ويعتقد غود-دايفس مثل ديبريز، أنّ بوتين حوّل المسؤوليّة الأساسيّة في مكافحة أخطر أزمة واجهتها روسيا خلال رئاسته إلى حكّام الأقاليم، "لأنّه لا يرغب بجذب الانتقادات إليه لو ساءت الأمور."

وأضاف: "سبق أن طرد عدداً من الحكّام بسبب ردّهم غير المتناسب على كوفيد-19. الرسالة التي يريد توجيهها هي أنّ هذا خطؤهم. وعلى الرغم من ذلك، إنّ بوتين هو أحد القادة الدوليّين القلائل الذين انخفضت شعبيّتهم خلال كوفيد-19."

محاصَر بقواعد النظام؟

لا تنحصر الإشكاليّة في طريقة تعامل بوتين شخصيّاً مع الأزمة. ثمّة جانب آخر مرتبط بصلاحيّات بوتين التي لم يعد بإمكانه توسيعها ضمن النظام ككلّ. هذه هي رؤية الأكاديميّة في "المعهد الأميركيّ للسلام" بولينا بيلياكوفا التي توضح أنّ قيادة الاستجابة الطارئة من موسكو تتطلّب تنسيقاً واسع النطاق بين المناطق والمؤسسات الروسيّة وهو الأمر الذي يُرجَّح أن يفشل وأن ينتهي بعصيان أوامره.

وأضافت أنّ إخفاق روسيا في إقفال جميع الكنائس أحد الفصح واستقالة ثلاثة حكّام بسبب توسيع فجائيّ لصلاحيّاتهم بمواجهة كورونا وإقفال رمضان قاديروف حدود الشيشان مع سائر البلاد، عناصر تظهر إدراكه أنّ سلطته داخل البلاد بلغت حدّها الأقصى. ونقلت بيلياكوفا عن مصادر في الكرملين قولها إنّ عدم تدخّل بوتين في تفاصيل مكافحة الوباء جاء لحماية نفسه من تدهور إضافيّ في شعبيّته.

في الوقت المستقطع على طريق ضمان أن يكون الرئيس صاحب الفترة الأطول في حكم روسيا طوال قرن من الزمن، تكون الأخطاء الحسابيّة مكلفة. احتمال قراءة بوتين أنّ الانغماس في مشكلة لا تدخل ضمن "ميدانه" السياسيّ المفضّل سيرتدّ سلباً عليه هو احتمال جدّيّ. قد يكون أفضلُ رهاناته الصبرَ حتى انتهاء العاصفة بأقلّ قدر ممكن من الأضرار.
__________________________________________________________________________________________
*تمّ تحديث التقرير عبر إضافة رأيَي ليك وغود-دايفس بعد تلقّي "النهار" جوابيهما.

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard