هل تداري تل أبيب واشنطن فتخفّض علاقاتها بالصين؟

14 نوار 2020 | 17:50

المصدر: "النهار"

الرئيس الأميركي دونالد ترامب مستقبلاً رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كانون الثاني 2020 - "أ ب"

"لقد أخذتم دور موسى، محوّلين المياه إلى يابسة". هذا ما قاله وزير النقل الإسرائيلي يسرائيل كاتز أمام مدراء تنفيذيين من "الشركة الصينيّة لهندسة الموانئ" سنة 2016 حين تبيّن أنّهم كانوا مسرعين في تطوير ميناء أشدود الذي بدأ سنة 2014. 

دوافع براغماتيّة

على الرغم من العلاقات التاريخيّة التي تجمع تل أبيب بواشنطن، وعلى الرغم من جميع ما قدّمته الأخيرة من دعم مادّيّ وعسكريّ وأمميّ، لم يستطع الإسرائيليّون منع أنفسهم من الانفتاح على الصين، المنافس الأوّل للولايات المتّحدة. فالصين باتت قوّة يصعب تجاهلها في الميادين الاستثماريّة والإنشائيّة والاقتصاديّة إضافة إلى الوزن الذي تمثّله في مجلس الأمن.

حجبت الفرص التي تقدّمها الصين ما يُفترض أنّه خرق أساسيّ ل "المصلحة القوميّة" في تل أبيب. فللصين علاقات اقتصاديّة وعسكريّة مع طهران، كما أنّها تدعم قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. غضّت تل أبيب الطرف عن جميع هذه الوقائع لتعزيز علاقتها مع بيجينغ في أكثر من ميدان.


الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً نتنياهو، آذار 2017 - "أ ف ب"

صحيح أنّ هنالك غياباً لمصالح استراتيجيّة أو ثقافيّة عميقة تجمع البلدين، لكن بالمقابل، ثمّة دوافع "براغماتيّة" تربط بيجينغ وتل أبيب بحسب "مجلس العلاقات الخارجيّة". فهما تريدان توسيع شراكاتهما خارج منطقتيهما والوصول إلى فرص جديدة في الأسواق والتجارة. علاوة على ذلك، تنجذب الصين إلى القطاع التكنولوجيّ الإسرائيليّ بينما ترحّب تل أبيب بالاستثمارات الصينيّة وبقدرة بيجينغ على أن تكون شريكاً لها في عالم الأبحاث.

بالفعل، أحضرت تل أبيب أكثر من 10 آلاف عامل صيني في مجال البناء بينما تستقبل جامعتا حيفا وتكنيون في تل أبيب مئات الطلاب الصينيين سنويّاً. ولتكنيون أيضاً مجمّع مشترك في غوانغدونغ الصينيّة وهو يركّز على أبحاث الذكاء الاصطناعيّ. كذلك، أطلقت بيجينغ صندوقاً صينياً-إسرائيليّاً للابتكارات بقيمة 16 مليار دولار لدعم المبادرات الرياديّة الجديدة. لكنّ هذه التطوّرات قد تكون على وشك سلوك استدارة في المرحلة المقبلة.


فتور متوقّع؟

أمكن تل أبيب الانفتاح على الصين بأريحيّة نسبيّة خلال العهود الأميركيّة السابقة، وهو ما لم يعد متاحاً مع إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. فقد باتت الصين تحتلّ الأولويّة على لائحة الدول التي تسعى الإدارة إلى احتوائها. وقد تعزّزت هذه الأولويّة بفعل تفشّي "كوفيد-19".

يتصاعد الضغط الأميركيّ على الإسرائيليّين بشكل مطّرد حول عقودهم مع الصين. فبسبب هذه الضغوط، أنشئت "لجنة الموافقة على الاستثمارات الاستراتيجيّة" في تشرين الأوّل الماضي، كما هنالك احتمال لإعادة دراسة انخراط شركة صينيّة في بناء محطّة سوريك-2 لتحلية المياه. وثمّة تخوّف أميركيّ من خصخصة إسرائيليّة لقطاعات عدّة مرتبطة بالغاز والبريد وغيرها.

لم يكن فيروس "كورونا" نقطة إشكاليّة في العلاقات الأميركيّة-الصينيّة فقط. أرادت الحكومة الإسرائيليّة الاستعانة بشركة "بي جي آي" الصينيّة لتوسيع دائرة الفحوصات الطبّيّة من أجل الكشف عن إصابات محتملة. أثار هذا القرار جدلاً بسبب إمكانيّة نقل معلومات أساسيّة متعلّقة بالإسرائيليّين إلى الصين.

في حديث إلى موقع "ألمونيتور" الأميركيّ، يقول الباحث المشارك في معهد السياسة والاستراتيجيا في "مركز هرتزيليا" تومي شتاينر: "من المرجّح أن تبرد علاقتنا مع الصين في المدى المتوسط والبعيد. معظم هذا بسبب الولايات المتّحدة، لكن ليس بسببها فقط." وأوضح أنّه لا يمكن الاعتماد على خطوط تصنيعيّة في مكان واحد حصراً، وتحدّث عن مسار متمثّل بقلق الدول من الاعتماد على خط تموين جغرافيّ طويل.

تغيّر المسار الأميركيّ

تساءل الباحث في "المجلس الأطلسيّ" دانيال سامت عمّا إذا كانت المكاسب الاقتصاديّة الإسرائيليّة التي توفّرها الصين كافية لتعويض الدعم السياسيّ والعسكريّ الذي تؤمّنه لها واشنطن. ويذكر أنّ ابتعاد اليسار الأميركيّ عن السياسات الإسرائيليّة قد يتبعه مسار جمهوريّ مشابه.

برز هذا التحليل في مجلّة "فورين بوليسي" في الثالث من شباط، أي قبل تفشّي فيروس "كورونا" وتحوّله إلى أزمة كبيرة في الولايات المتّحدة. لا يلغي عمق الانقسام الأميركيّ التشابه في الرؤية السلبيّة لدى الجمهوريّين والديموقراطيّين إزاء الصين. يَفترض تشارك هذه الرؤية ضغطاً أكبر على تل أبيب من الآن وصاعداً.

منذ ثلاثة أيّام، أصدر "المجلس الأميركيّ للشؤون الخارجيّة" نشرة حول التحوّلات التي سيشهدها الشرق الأوسط مع احتدام المعركة الصينيّة-الأميركيّة بحيث سيكون صعباً على مختلف القوى الحفاظ على التوازن في علاقاتها مع كلتا العاصمتين وعدم الانجرار إلى هذا الاشتباك. وجاء في النشرة أنّ هذا التوجّه سيستمرّ في المستقبل بغضّ النظر عن هويّة الرئيس المقبل.

تفاؤل

علاقة الإسرائيليّين ستكون شائكة مع واشنطن إذا حافظوا على علاقتهم الوطيدة مع الصينيّين والتي بلغت بحسب معظم المراقبين مستويات تاريخيّة، إذ وصل حجم التبادل التجاريّ بينهما إلى حوالي 14 مليار دولار سنة 2018. ولا شكّ في أنّ استثمار بيجينغ في ميناء حيفا يثير ريبة الأميركيّين الذين يرسلون أسطولهم السادس إلى تلك المنطقة بشكل دوريّ. وكانت بيجينغ قد حصلت على حقوق إدارة ذلك المرفأ لخمسة وعشرين عاماً.

قد لا يتكيّف جميع الإسرائيليّين مع التطوّرات المقبلة بالسرعة نفسها. رئيس "معهد الصادرات الإسرائيليّة" أديف باروش قال لوكالة "شينخوا" الصينيّة أمس إنّ "كوفيد19" خلق فرصاً جديدة لتطوير علاقات الأعمال بين الطرفين ذاكراً أنّ مواصلة بناء تعاون متبادل طويل المدى هي أحد أبرز أهدافه. وفي حديث إلى الوكال نفسها، أعلنت المديرة المشاركة في مجموعة "بريليانس فنتشور" التي تساعد الشركات الإسرائيلية الصحّيّة والتقنيّة على إيجاد أسواق آسيويّة لها، أنّ التعاون الابتكاريّ والتقنيّ بين الطرفين يتمتّع ب "آفاق واسعة ومشرقة".

رسالة من بومبيو

كتب هاغاي أميت في "هآرتز" اليوم أنّ لقاء بومبيو أمس مع المسؤولين الإسرائيليّين لم تكن تتعلّق بعمليّات الضمّ المزمعة. "لقد أتى لمعالجة علاقات إسرائيل الاقتصاديّة مع الصين، وترك الأمر للإسرائيليّين كي يربطوا بين المسألتين."

هل يتأثّر الدعم الأميركيّ لخطّة الحكومة الإسرائيليّة الجديدة الشروع بالضمّ بدءاً من تمّوز في حال تلكأت تل أبيب عن مراعاة رغبات واشنطن؟ من السابق جدّاً لأوانه التوصّل إلى استنتاج كهذا. لكن بالحدّ الأدنى، من غير المستبعد تصاعد الضغط الأميركيّ على الإسرائيليّين حول الملفّ الصينيّ بشكل أكثر علانية ووضوحاً في المرحلة المقبلة.

لقد تلقّت تل أبيب تحذيرات متكرّرة من أخطار تعزيز علاقاتها مع بيجيننغ. وفي أوائل الألفيّة، منعتها واشنطن من بيع منظومة رادارات إنذار جوّيّ مبكر إلى الصين بقيمة 4 مليارات دولار. لذلك، لا يوجد ما يمنع ظهور خطوات أميركيّة مشابهة في المستقبل.

هل يسمح الغرب بأن يتّجه لبنان شرقاً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard