احتجّوا..... ولكن فقط "بقوة الحقيقة"

1 تشرين الثاني 2019 | 12:06

المصدر: النهار

تصوير رينيه معوض

إن الثورة التي يعيشها لبنان منذ 17 تشرين الأول هي ثورة الشباب. لقد وجّه البابا فرنسيس يوم الأحد المنصرم نداءً خاصاً بلبنان قائلاً من القصر الرسولي في الفاتيكان:

"أفكاري مع الشعب اللبناني العزيز، خصوصاً مع الشبان الذين أسمعوا في الأيام الاخيرة صرختهم في وجه التحديات والمشاكل الاقتصادية في البلد".

لماذا وصل لبنان إلى هذه المرحلة، بحيث لم يعد من الممكن الكلام عن اعتصامات أو تظاهرات، إنما عن ثورة بعد أن نزل الملايين إلى الشوارع طالبين إسقاط الحكومة؟

إن الفساد المتفشي في الحكومات المتتالية منذ انتهاء الحرب الأهلية في العام 1990 والمستتر خلف الوضع الإقليمي الجيوبوليتيكي أوصل الوطن إلى الهاوية سياسياً واقتصادياً وبيئياً، في ظل شبه انعدام الخدمات واهتراء البنى التحتية.

إننا وصلنا إلى دولة مفلسة على جميع الأصعدة، ففقد الشعب ثقته بحكامه وبدأت الاعتصامات التي تحوّلت إلى ثورة.

إن الثورة مع ما حملته من قطع طرقات وشلل شبه كامل للإدارات والمصارف والشركات والمدارس والجامعات لم تكن سبباً كافياً للمسؤولين المتمسكين بعروشهم للاستقالة، فهم كنيرون يرون روما تحترق وهم غير معنيين بالموضوع، إلى أن بادر الرئيس الحريري إلى الاستقالة، ما يؤدي إلى اعتبار الحكومة مستقيلة عملاً بالفقرة ألف من المادة 69 من الدستور اللبناني.

فما هي الخطوات المقبلة التصعيدية التي تؤدي لا محال إلى إطاحة النظام الذي أوصل لبنان إلى حالته الحاضرة وتشكيل حكومة مستقلة؟ هي بدون أدنى شك ما يهدد به البعض، وهو العصيان المدني.

من أشهر من كتب عن العصيان المدني هو الكاتب الشاب بسنينه الثماني عشرة Etienne de la Boetie في كتيبه المعنونDiscours de la Servitude Volontaire، فهو شرح أن الدولة تعتمد على تعاون شعبها، فمتى قرر الشعب عدم الخضوع للسلطة التي تمثلها فقدت الدولة سلطتها، أي شرعيتها، أي سبب وجودها.

لا حاجة لمحاربة هذا الحاكم المستبد الذي يسقط تلقائياً عندما يرفض الشعب نير العبودية.

“Et pourtant ce tyran, seul, il n’est pas besoin de le combattre, ni même de s’en défendre ; il est défait de lui-même, pourvu que le peuple ne consente point à la servitude. »

لا أريد أن تصطدموا معه، ولا أن يهتز، يكفي أن لا تساندوه وسوف ترون العملاق الكبير الذي فقد ركيزته يسقط ويتحطم تحت وطأة ثقله الكبير.

« Je ne veux pas que vous le heurtiez, ni que vous l’ébranliez, mais seulement ne le soutenez plus, et vous le verrez, comme un grand colosse dont on dérobe la base, tomber de son propre poids et se briser. »

أما الكاتب الأميركي Henry David Thoreau فقد أكّد أن كل الأفراد يعترفون بالحق بالثورة، أي بحقهم برفض الانصياع ومقاومة الحكم، عندما يكون الاستبداد والفشل بلغا ذروة لم تعد تحتمل.

أما التاريخ فيعلمنا من خلال رجالاته الكبار الذين قادوا شعوبهم إلى التحرر من نير العبودية بالثورات السلمية، كمثل غاندي و Martin Luther King Jrاللذين اختارا مواجهة الاستبداد بالعصيان المدني اللاعنفي.

في العام 1930 قاد المهاتما غاندي مسيرة الملح احتجاجاً على ضريبة الملح البريطانية التي كانت بمثابة تحد للسلطة البريطانية فانضم إليه ألوف من الهنود الذين خالفوا قوانين السلطة الاستعمارية ونجحوا بإنتاج الملح دون دفع ضريبة. إنه الاحتجاج باللاعنف أي "بقوة الحقيقة"، بحسب المفهوم الغاندي.

وفي الولايات المتحدة وفي الستينيات من القرن الماضي، طلب Martin Luther King Jrمن السود مخالفة القوانين التي تقصيهم والتي تغذي التمييز العنصري ضدهم رافضاً العنف بكل أنواعه وكان يقول:

"إنني توصلت إلى هذه القناعة بأن رفض التعاون مع الشرّ هو واجب أخلاقي كمثل التعاون مع الخير".

إن العصيان المدني، يصبح حقاً مشروعاً، بحسب Martin Luther King Jr، عندما تكون كل محاولات الاحتجاج بالوسائل المشروعة لم تؤد إلى خلق ميزان قوى يجبر السلطة على الاعتراف بالحقوق المطالب بها.

فالأمر لا يتعلق فقط بالعصيان من أجل الاستنكاف الضميري الشخصي، بل يجب أن يكون العصيان جماعياً لتشكيل ضغط سياسي لا يُحتمل. وبالتالي يكون الهدف من العصيان المدني التفعيل السياسي.

كما اعتبر أن العصيان المدني هو واجب على من يكترث للكرامة الإنسانية، وعلى من يرفض الخضوع للظلم وعلى من يحاول، عن طريق مخالفة القانون، القضاء على سلطة الطغيان.

وفي الختام لا بد من توجيه تحية للشعب اللبناني بشبابه وكل مكوناته الذي خاض أرقى ثورة عرفها البلاد ليصح القول المأثور:

إذا لم يكن الشعب على بينة بتفاصيل السياسة المعقدة إلا أنه يشعر بحلول اللحظة الحاسمة.

المحامية منى ر. فرحات المحامية جهان ر. خطار

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard