التنكيل السياسي.. أسوأ أشكال العنف المعنوي

18 آب 2019 | 09:23

التعبير عن الرأي بالغرافيتي البيروتي (تعبيرية- مروان عساف).

يسود الاعتقاد أن العنف الجسدي هو أسوأ أنواع العنف وأكثرها إدانة، لأنه مؤلم ومؤذ جسديا ونفسيا. بالمقابل يعتبر العنف المعنوي أخف وطأة وأكثر احتمالا. لكن يصعب إخفاء آثار العنف الجسدي لأنها ظاهرة للعيان، ما يسهّل فضحه وبالتالي محاربته وحماية الضحايا؛ بالمقابل يصعب التقاط أو فضح التعنيف المعنوي.

كتاب "التحرش المعنوي" لمؤلفته ماري فرانس هيريغوايان، أو ما تسميه العنف اليومي المنحرف (pervers)، يساعدنا على التوضيح وإظهار مدى الضرر الذي يسببه العنف المعنوي.

تشير المؤلفة إلى أن بعض اللقاءات قد تكون محفزة لنا على إعطاء أفضل ما عندنا وبعضها الآخر قد يؤدي إلى تدميرنا. ذلك أن فردا معينا قد ينجح في تدمير شخص ما عبر استخدامه للتنكيل المعنوي (harcelement moral). وربما انتهى الأمر أحيانا إلى اغتيال نفسي حقيقي.

ويمكن لهذا النوع من التحرش المعنوي أن يطال العلاقات بين أي ثنائي والعلاقات في الأسرة وعلاقات العمل؛ كما يمكن أن يطال الحياة الاجتماعية والسياسية.

يمكن للتحرش الانحرافي هذا أن يمارس من قبل أي منا في أي لحظة. لكنه لا يصبح تدميريا إلا بسبب وتيرة استخدامه وتكراره في الزمن. هناك أشخاص منحرفون بشكل دائم بسبب بنيتهم النفسية يتميزون بأنهم لا يكنّون أي احترام أو تعاطف مع الآخرين.

فهؤلاء لا يتمكنون من الاستغناء عن "كسر الآخرين" والحطّ من تقديرهم لذاتهم من أجل الحصول على سلطة أو قوة. لأنهم متعطشون للحصول على إعجاب الآخرين وتقديرهم وقبولهم لهم.

تكتب هيريغوايان انطلاقا من كونها مختصة بعلم الضحية (victimologie) وهو فرع علمي جديد بدأ في الولايات المتحدة بعد أن كان جزءا من علم الجريمة (criminology)؛ إن الشخص الذي يتعرض لهذا النوع من التحرش هو حقيقة ضحية لأن نفسيته قد تتضرر بشكل دائم.

وإذا ما استشارت ضحية هذا العنف المستتر معالجا نفسيا فهي تشكو من صدّ ذهني ونقص في الثقة في النفس وحالة من الاكتئاب٫ بل قد تكون مقاومة لمضادات الاكتئاب. وقد تصل إلى حد الانتحار. وعندما تشكو الضحية أحيانا من الشريك أو المحيط، نادرا ما يتم وعي وجود حالة من العنف المتخفي. فحالة الاختلاط النفسي التي تركزت يمكن أن تجعل المعالج نفسه يغفل عن أن الموضوع يتعلق بعنف حقيقي وموضوعي. وما يجمع بين هذه الحالات أن الضحية نفسها، مع اعترافها بعذابها لا تجرؤ على إدراكه كعنف واعتداء صريحين.

هناك صعوبة عيادية لتسجيل ووصف الحالة في هذا النوع من العنف لأن كل كلمة وكل نبرة صوت وكل تلميح أو نظرة لها أهميتها عندما تؤخذ مجتمعة. ولكن عندما تؤخذ منفصلة تبدو الصورة حميدة وغير مؤذية. إن اجتماعها ودوامها هو الذي يتسبب بالدمار النفسي.

من هنا نجد أنه لا يمكننا الفصل بين العنف، حتى بأكثر أشكاله تخفيا، وبين الصحة الذهنية بمعنى أن نكون على ما يرام على جميع الصعد.

ينتج عن التعرض للعنف الإحساس بانعدام الأمن وبالخوف ويفسد الجو الاجتماعي. الأمر الذي يجعل الأشخاص متوترين وعدوانيين. في المحيط الضيق كالمدرسة مثلا، يتألّب التلاميذ ضد بعضهم البعض وتتدهور صورتهم. وفي المجتمع، تفسد الحياة ويمكن أن يؤدي ذلك إلى إتلاف الممتلكات وإلى تدهور الجو العام بمجمله. من هنا تسود ممارسة "يا رب نفسي". وهذا ما يحصّن كل فرد ضد الآخرين وتصعب عملية الخروج من هذه الوضعية.

هدف هذه المقدمة القياس على أنواع العنف السياسي، وبالأخص العنف السياسي المعنوي، الذي يتعرض له اللبنانيون منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، للتأكيد على مخاطره ولكيلا نحصره في نطاق استخدام "القوة المادية"، كما درجت العلوم السياسية على فعله.

ثمة اتفاق بين أغلب الباحثين، على أن العنف يصبح سياسيا عندما تكون أهدافه أو دوافعه سياسية. ويتفقون على تعريفه كالتالي: "استخدام القوة المادية، أو التهديد باستخدامها، لتحقيق أهداف سياسية". لكن هناك من يضيف أنه "الاستخدام غير الشرعي للقوة، أو التهديد باستخدامها لإلحاق الأذى والضرر بالآخرين".

هذا ما ينطبق على سياسات حزب الله والمتحالفين معه تجاه اللبنانيين. كما نلاحظ أن التعريف التقليدي لا يهتم بالتعنيف السياسي المعنوي، الممارس بامتياز منذ التسوية المشهودة.

في العام 2005 وما تلاه تعرض لبنان للعنف السياسي المادي العاري: اغتيالات وقتل وغزو مسلح لبيروت تبعها موجة تهديدات وتخويف. لكن العنف والتنكيل السياسيين ـ المعنويين تحولا مؤخرا إلى سياسة؛ بلغت أعلى مستوياتها على لسان وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل في خطاب الكراهية المتفلت من الضوابط وممارساته التحريضية المثيرة للنعرات الطائفية والغرائزية، بتناغم وتشجيع من حلفائه السياسيين. ما هدد السلم الأهلي ولامس الانهيار الاجتماعي التام.

تتعدد أنواع العنف السياسي وأهدافه كما القوى التي تمارسه.

هناك العنف الموجه من النظام إلى المواطنين، أو إلى جماعات وعناصر معينة منهم، وذلك لضمان استمرار النظام، وتقليص دور القوى المعارضة أو المناوئة له. ويمارس النظام العنف من خلال أجهزته الرسمية كالجيش، والشرطة، والاستخبارات، والقوانين الاستثنائية. ويُعرف العنف في هذه الحالة باسم "العنف الرسمي أو الحكومي". في لبنان هناك محاولة جادة لإرساء هذا النوع.

هناك العنف الموجه من المواطنين، أو فئات اجتماعية معينة، كالعمال، والطلاب، والفلاحين، والأقليات، والأحزاب، والتنظيمات السياسية، إلى النظام أو بعض رموزه. ويتخذ العنف في هذه الحالة شكل التظاهرات، والإضرابات، والاغتيالات. ويُعرف العنف في هذه الحالة بالعنف الشعبي، أو العنف غير الرسمي. وهو خجول في لبنان.

العنف الموجه من بعض عناصر النخبة الحاكمة، إلى بعض عناصرها الأخرى. ويدخل هذا العنف في إطار الصراعات داخل النخبة، ويتخذ عدة أشكال: التصفيات الجسدية، والاعتقالات، وانقلابات القصر. وقد يصل الأمر إلى حد الصدامات المسلحة بين العناصر والقوى الموالية للأجنحة المتصارعة، داخل النخبة الحاكمة. وقد يوظف الجيش، أو الشرطة، وبعض القوى المدنية، في هذه الصراعات. وهذا ما يحصل طوال الوقت في لبنان وبلغ أوجه في قضية قبرشمون ووصل الأمر إلى حد توظيف القضاء.

العنف الموجه من بعض القوى أو الجماعات، ضد جماعات أخرى داخل المجتمع، نتيجة أسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو دينية، وهو "العنف السياسي المجتمعي". وفي لبنان تستعيد الصراعات بين الطوائف والمذاهب ألقها على وقع العنف السياسي الممارس من صهر العهد.

يستخدم العنف السياسي عندما يعجز النظام القائم عن استيعاب القوى الجديدة الراغبة في المشاركة في السلطة والحصول على نصيب أكبر من الثروة والنفوذ. فتلجأ إلى استخدام القوة لضرب القوى، التي تمثل تحديا لها وتريد تحجيمها. وهذا ما حققه حزب الله وما يسعى إليه التيار الوطني الحر عبر الانقلاب على اتفاق الطائف وتغيير الدستور.

لا شك أن العنف السياسي الممارس في لبنان هو عمل غير شرعي، يمثل اختراقا للحدود المقبولة؛ إنه استعمال القوة في العلاقات الاجتماعية. لذلك فهو ظاهرة خطيرة ذات أهداف غير شرعية، ولا يقرها الوعي الجماعي، وتهدد بانهيار المؤسسات على أنواعها؛ ونتج عنها تلوث البيئة الاجتماعية والطبيعية وفسادها. فهل نستغرب حينها تدهور الصحة الذهنية للمواطنين للبنانيين؟

وهل نستغرب بعد الحالة المرضية التي يغرق فيها الشعب اللبناني!

اقرأ للكاتبة أيضاً: "فتنة باسيل وبيضة القبان"

يُنشر أيضاً على "الحرّة". 

الى محبّي التارت... تارت الفراولة والشوكولا بمقادير نباتية!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard