الثلاثاء - 04 تشرين الأول 2022
بيروت 25 °

إعلان

على حافة الهاوية: الوضع الحرج لنظام التعليم في لبنان

من داخل أحد الصفوف (نبيل اسماعيل).
من داخل أحد الصفوف (نبيل اسماعيل).
A+ A-
إعداد ريما بحوث، فادي نقولا نصّار ومكرم عويس*
 
مع انطلاق العام الدراسي في مدارس وجامعات لبنان، برزَ سؤالٌ واحد أثقلَ كاهل الطلّاب والمعلّمين والإداريين والأهالي والموظّفين: هل بإمكان قطاع التعليم، الهشّ في الأساس، أن يصمد في ظلّ الضغوط المعقّدة الناجمة عن جائحة كوفيد-19 والأزمة الاقتصادية التي يشهدُها البلد؟ على الرغم من الجهود الجبّارة التي بذلتها مؤسّساتٌ عديدة لتبقى أبوابها مفتوحة في خضمّ هذا السياق المعاكس، يُواجِه نظام التعليم في لبنان، وخاصّةً المؤسّسات العامّة، صعوبات كثيرة.
 
لطالما اعتُبرَ قطاعُ التعليم في لبنان بمثابة مرفق وطني تأسيسي – أحد المرافق التأسيسية القليلة في لبنان.وهو ليسَ مجرّد مصدر موثوق للنواتج الاقتصادية (والاجتماعية) القابلة للقياس، بل كانَ على مرّ التاريخ شريان حياة لسكّان البلد. واليوم، يمرّ هذا القطاع بمنعطفٍ حرج، وفي حين تستمرّ المدارس الخاصّة في ظلّ الظروف الصعبة، باتت المدارس الرسمية على وشك الانهيار.
 
نتيجةً للأزمة الاقتصادية، انتقلَ ما يقارب 55000 طالب من المدارس الخاصّة إلى المدارس الرسمية في العام الدراسي 2020-2021 وحده، ممّا زادَ الضغط على منظومة المدارس الرسمية (تقرير البنك الدولي 2021). وسُجِّلَت زيادةٌ مقلقة في معدّلات التسرُّب من الدراسة لسببَيْن، الأوّل هو الإغلاق الموسّع جرّاء تفشّي جائحة كورونا، والسببُ الثاني هو الحاجة إلى مدخولٍ إضافي بين العائلات التي تفاقمَ فقرُها بعد الأزمة. في هذا السياق، أفادت اليونيسيف (2022) بأنَّ: "3 من بين كلّ 10 شبّان وشابّات في لبنان أوقفوا تعليمهم، بينما لجأ 4 من بين كلّ 10 إلى التقليل من الإنفاق على التعليم لشراء المواد الأساسية مثل الغذاء والدواء". وتُشير تقديرات المنظَّمة الدولية إلى أنَّ ما يُقارب 13 في المئة من العائلات تطلب من أولادها العمل كوسيلة للتأقلم مع الصعوبات الاقتصادية.
 
لطالما كانَ نظام التعليم في لبنان حصنًا منيعًا من الصمود بالمعنى الكامل للكلمة - فساعدَ في تنويع القوى العاملة في البلد وتدريبها، وتمكين النساء والمجتمعات المحرومة، وتوفير فُرَص التقدُّم الاجتماعي والاقتصادي، حتّى لو للهجرة والعثور على عمل خارج لبنان. ومن الناحية المعنوية، كانَ هذا القطاع ركيزةً أساسية لصورة البلد وانعكاسًا للتحدّيات الناجمة عن حالة الهشاشة المستمرّة.
 
لم يَصِل قطاعُ التعليم في لبنان إلى هذا المستوى المرموق بين ليلةٍ وضحاها؛ بل هو نتاج عقود من الاستثمار والعمل والثقة. غير أنَّ السنوات القليلة الماضية كانت صعبة بشكل خاصّ لأنَّها فرضَت ضغوطًا هيكلية لم تُعالَج بعد، فتركت القطاع في حالة ضعف شديد في مواجهة تداعيات الأزمات السياسية والمالية الراهنة. ولا شكَّ في أنَّ الفشل في تلبية احتياجات هذا القطاع المتضرّر بشدّة، أو محاولة إبعاده عن خطّة الإنعاش الوطنية الأوسع نطاقًا، سيُهدِّد منظومة عمرها أكثر من قرن؛ منظومةٌ ليسَ من السهل أن نُعيد إنعاشها.
 
ولطالما كانت الموارد العامّة المُخصَّصة لقطاع التعليم في لبنان غير كافية. في عام 2020، تمّ إنفاق نسبة تقلّ عن 2٪ من الناتج المحلّي الإجمالي للبلد على التعليم، وهي نسبةٌ أقلّ بكثير من الحدّ الأدنى الموصى به الذي يُفترَض أن يتراوح بين 4٪ و6٪ (اليونسكو، 2015؛ البنك الدولي، 2017). وكما وردَ بالتفصيل في تقريرٍ صدرَ مؤخّرًا عن البنك الدولي، من كانون الثاني/يناير 2020 إلى شباط/فبراير 2021، فتحَ النظام المدرسي اللبناني لأقلّ من 25٪ من العام الدراسي.
 
على مرّ السنوات، كانَ على البلد أن يتأقلم مع العديد من التحدّيات الجسيمة، وما زالَ الكثير منها مستمرًّا حتّى الآن. فرضَت هذه التحدّيات – وتحديدًا أزمة اللاجئين السوريين – ضغطًا إضافيًا على قطاع التعليم الهشّ أساسًا، وكلّ ذلك على خلفية أزمة الحكم التي يُعاني منها البلد عمومًا. في العام 2019، قدّرت مبادرة "لا لضياع جيل" أنَّ 365000 طفل سوري لاجئ التحقوا بالمدارس اللبنانية.
 
تمّ إطلاق عدد من البرامج المُموَّلة دوليًا لتخفيف العبء على النظام المدرسي اللبناني، لكنَّها لم تكن كافية. في منشورٍ صدرَ مؤخّرًا عن "مركز الدراسات اللبنانية" بهدف لفت الانتباه إلى التفاوت بين الاحتياجات الفعلية للقطاع التربوي والمساعدات الموجّهة إليه من الجهات المانحة، أشارَ المركز إلى أنَّ المساعدات في العام 2016 مثلًا كانت أقلّ من احتياجات النظام التربوي بنحو 100 مليون دولار. وأضافَ التقرير أنَّ المساعدات الإنسانية الدولية للبنان تشهد تراجعًا تدريجيًا في التمويل.
 
على خلفية التدفّق المُنسَّق، ولو كانَ محدودًا، لمساعدات المانحين، تمّ تنفيذ العديد من المشاريع المدعومة دوليًا لفترة زمنية معيّنة من أجل تخفيف العبء عن قطاع التربية وتقديم التعليم بمستوى جيّد إلى الطلّاب اللاجئين. ولكنْ، بمجرّد رفع التقرير النهائي لكلٍّ من هذه المبادرات إلى المعنيّين، توقَّفَ إلى حدٍّ كبير تنفيذ التدابير الأساسية لبناء قطاع تعليمي فعّال وشامل. وتبرز تداعياتٌ مقلقة على الأطفال اللاجئين، حيث أنَّ أكثر من نصف الأطفال اللاجئين السوريين خارج مقاعد الدراسة.
 
ثمّ جاءت جائحة كوفيد-19 وفرضت أعباء إضافية على قطاع التعليم. وكانَ للإغلاق تأثيرٌ سلبي على الطلّاب والمعلّمين والأهالي على حدٍّ سواء. وتَبيَّنَ أنَّ التعلُّم عن بُعد لا يخلو من الصعوبات والتحدّيات، بسبب مجموعة من العوامل المختلفة: المعلّمون غير مُدرَّبين على التعليم عن بُعد، والاتّصال بشبكة الإنترنت محدود وغير مستقرّ، كما أنَّ العديد من المنازل تبقى من دون كهرباء لعدّة ساعات يوميًا بسبب التقنين ونقص الوقود.
 
وضعَ التعلُّم عن بُعد كلّ الطلّاب في سلّةٍ واحدة، رغم الاختلافات في احتياجاتهم التعليمية والاجتماعية والاقتصادية. فالتنوُّع والتمايز والشمول هي ركائز أساسية لزيادة إمكانات الطلّاب إلى أقصى حدٍّ ممكن، وإذا لم تكن الخدمات التعليمية مُركَّزة وموحَّدة، قد تؤدّي إلى إعاقة قدرات الطلّاب وتطوُّرهم. وصحيحٌ أنَّ فتح المدارس ربَّما عالجَ بعض هذه المشاكل، لكنَّه جاءَ أيضًا في سياق موجة أوميكرون الجديدة ونظام الرعاية الصحّية المتهالك.
 
تزامنت الفترة المبكرة من التعلُّم عن بُعد وعودة التعلُّم الحضوري مع الانهيار شبه الكامل لاقتصاد البلد. وأبرز المتضرّرين هم المعلّمون الذين كانوا في الخطوط الأمامية، يُقدِّمون التعليم الأساسي وسط تفشّي الجائحة العالمية والانهيار الشديد للخدمات العامّة والبنى التحتية والانكماش الاقتصادي المُنهِك. ومع خسارة الليرة اللبنانية ما يقارب 90٪ من قيمتها، تراجعَ الوضع الاقتصادي لمعلّمي المدارس الرسمية الذين ما زالوا يتقاضون رواتبهم بالعملة المحلّية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المعلّمين في المدارس الخاصّة الذين ما زالوا بمعظمهم يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية. والأكثر تضرُّرًا هم المتعاقدون بالساعة الذين شهدوا في بعض الحالات انخفاض قيمة أجورهم بالساعة من حوالي 13 دولارًا إلى دولار واحد فقط للساعة الواحدة!
 
بالرغم من ارتفاع معدّلات التضخّم والدولرة غير الرسمية للاقتصاد، لم تضع الموازنة الوطنية المُقترَحة أيَّ خطط لتصحيح رواتب معلّمي المدارس الرسمية الذين يُضربون عن العمل منذ بداية العام. ومع ذلك، تمسَّكت وزارة التربية والتعليم باقتراحها بتقديم مساعدة رمزية للمعلّمين لتغطية تكاليف النقل والوقود المتزايدة. ولكنْ، كما أشارَ المحتجّون، تُعتبَر هذه الإجراءات غير كافية كما أنَّها لا تُعالِج المشكلة الأساسية: تراجعت قيمة رواتب المعلّمين لدرجة أنَّها بالكاد تُغطّي في بعض الأحيان تكاليف النقل للذهاب إلى العمل، وخاصّةً المعلّمين الذين يتنقّلون من المناطق الريفية النائية.
 
وعلى غرار قطاعات الاقتصاد الأساسية الأخرى، أدّت الأزمة المُطوَّلة والضائقة الشديدة التي يُعانيها المعلّمون إلى ارتفاع مستويات الهجرة. فأكثر من 15٪ من معلّمي المدارس الخاصّة غادروا البلد بحثًا عن عملٍ في الخارج (الديب، 2021). أمّا المعلّمون الذين ظلّوا في لبنان فيضطرّون غالبًا إلى تحمُّل مسؤوليات إضافية جرّاء تقلُّص عدد الموظّفين، رغم الانخفاض الكبير في الأجور، والأعباء اليومية الناتجة عن الانهيار الاقتصادي. علاوةً على ذلك، يتوجّب على المعلّمين التعامل بتفهُّم وصبر مع الطلّاب الذين اضطرّوا بدورهم أن يتعلّموا مجدّدًا ما يعنيه الذهاب إلى المدرسة والتحدُّث مع زملاء الدراسة واحترام القواعد – ناهيك عن مواد الرياضيات والعلوم والتاريخ وما إلى ذلك.
 
تترتّب تداعيات الأزمة الاقتصادية أيضًا على العائلات والأُسَر التي لم تعد قادرة على تحمُّل الأقساط أو تكاليف المواصلات من وإلى المدرسة، وخصوصًا في المناطق الريفية. فيُقال إنَّ بعض المعلّمين يُبادِرون إلى تقديم المواد المدرسية على نفقتهم الخاصّة، رغم التدهور الكبير لقيمة رواتبهم. قدّموا موارد أساسية مثل القرطاسية والكتب والمواد الأخرى للطلّاب الذين يُعانون من ضائقة اقتصادية، ممّا زادَ من الصعوبات والخيارات المعقّدة التي يواجهونها. وأدّى ارتفاع كلفة المعيشة في لبنان إلى تحويل الضروريات الأساسية مثل التعليم إلى ميزة غير متاحة بشكل متزايد للأُسَر الفقيرة.
 
وتُحذِّر "مؤسّسة إنقاذ الطفل" (2021) من أنَّه كلّما ازدادَ عدد الطلّاب خارج المدرسة، سترتفع على الأرجح إمكانية تعرُّضهم للاستغلال والعنف. كذلك، صرَّحَت المديرة القُطرية جينيفر مورهيد في أكثر من مقابلة أنَّ "معدّلات معرفة القراءة والكتابة والحساب لدى أطفال لبنان كانت في الأساس أقلّ من المتوسّط العام في بلدان الشرق الأوسط. وكلّما طالَ بقاء الأطفال خارج المدرسة، سيتراجع وضعُهم أكثر فأكثر".
 
نظرًا للحالة الحرجة لقطاع التعليم في لبنان، لا مجال للإصلاحات السطحية أو المؤقّتة. كما أنَّ المساعدة الظرفية لقطاع التعليم لن تكفي ليبقى قادرًا على الصمود لفترة طويلة. فما من قطاع تربوي فعّال ومستدام من دون معالجة نموذج الحكم الفاشل في البلد وأزمته الاقتصادية الشاملة. فطريقة استجابتنا للتهديد الذي يُواجِه إحدى أكثر المؤسّسات موثوقية في البلد ستُحدِّد مستقبلنا المشترك.
 
وفيما يُصارِع لبنان مجموعة الأزمات الحالية المعقّدة، من الضروري إعطاء الأولوية للشروع في أجندة إصلاحية شاملة تضع الطلّاب في محور القطاع التربوي وتُعطي الأولوية لجودة التعليم للجميع، من دون المساس بأمن ورفاه المعلّمين والكادر التعليمي (تقرير البنك الدولي، 2021).
 
يحتاج لبنان إلى وضع خارطة طريق تستند إلى الدراسات الحديثة وتُقدِّم خطَّةً تكفل جودة التعليم لجميع الطلّاب. والأهمّ من ذلك هو أنَّه على حكومتنا أن تُعطي الأولوية لمساعدة قطاع التربية من أجل إنقاذ ما تبقّى، من خلال الحرص على أن يتمكّن المعلّمون من تأدية رسالتهم التعليمية بطريقةٍ كريمة، وألّا يضطرّ الطلّاب إلى الاختيار ما بين تعليمهم من جهة والاستمرارية الاقتصادية لعائلاتهم من جهة أخرى، وأن تستطيع المدارس والعائلات أن تُقدِّم للأطفال بيئةً مناسبة للتعلُّم.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم