الأحد - 01 تشرين الثاني 2020
بيروت 25 °

إعلان

المعركة الأميركية الجديدة

المرشحة الجديدة لتولي عضوية المحكمة العليا (أ ف ب).
المرشحة الجديدة لتولي عضوية المحكمة العليا (أ ف ب).
A+ A-
خالد الطراح

تشهد الولايات المتحدة الأميركية هذه الأيام صداماً وخلافاً حاداً بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي، نتيجة استعجال الرئيس الأميركي ترمب، في حسم اختيار القاضية ايمي باريت، خلفاً للقاضية الراحلة الشهيرة روث غينسبرغ في المحكمة العليا قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة في مطلع تشرين الثاني المقبل.

عُرفت القاضية روث غينسبرغ، التي توفيت في أيلول الماضي، في نضالها السياسي والقانوني والاجتماعي، بسبب فكرها التقدمي طوال مراحل تاريخية حتى بلوغها عضوية المحكمة العليا في عام 1993 إبان رئاسة بيل كلينتون.

لم تكن الرحلة القانونية للقاضية غينسبرغ، مواليد 1933، رحلة سهلة بل كانت شاقة، منذ مرحلة الدراسة ومن ثم التخرج والعمل في الميدان القانوني، لذلك ليس من المستغرب أن ينشب الخلاف السياسي على المرشحة الجديدة القاضية باريت، خصوصاً في ظل معارضة الديموقراطيين على الترشيح واستعجال قرار الحسم قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة.

صاحبت مسيرة القاضية غينسبرغ منذ شبابها تحديدات شتى، لم تخل معظمها من التمييز الجنسي من قبل المدرسة الذكورية، إلى أن انتهى بها المطاف إلى تحقيق النجاح المنشود قانونياً وسياسياً واجتماعياً.

ذلك العناء والنضال السياسي والاجتماعي والقانوني، الذي قادته القاضية غينسبرغ، ترجمه أحد الاعمال الفنية في 2019، ضمن عمل سينمائي تحت عنوان "على أساس الجنس" On the Bases of sex. فقد استعرض الفيلم الأحداث الحقيقية في أميركا عام 1956، التي واكبت وصاحبت الرحلة الشاقة للمحامية الشابة غينسبرغ، خريجة أعرق مدارس القانون وهي جامعة كولمبيا.

بدأت رحلة غينسبرغ من دراسة القانون، ومن ثم محامية بعد عناء شديد في مواجهة التمييز بين المرأة والرجل على اساس الجنس حتى أصبحت ثاني قاضية في المحكمة العليا في عام 1993.

ركزت المحامية الشابة في إحدى القضايا المتعلقة بالضرائب، بالتعاون مع زوجها على التصدي للتمييز الجنسي ومفهوم كلمة "جنس" عند الرجل، وتفادياً لسوء الفهم، ركزت في إحدى مذكرات الدفاع على استخدام كلمة Gender بدلاً من Sex بسبب النزعات المتزايدة للتفسير الشكلي لكلمة "الجنس" التي تقود إلى جدل مبني على المظهر للمرأة من منظور انثوي بحت!

قد تبدو المعركة بين الجمهوريين والديموقراطيين حالياً سياسية الشكل، ولكنها بتقديري هي معركة المحافظة على أهداف وانجازات تاريخية لتيار تقدمي ومتحرر من القيود الاجتماعية التقليدية، لاسيما بين المرأة والرجل من أجل قيادة مجتمعية خالية من شوائب الماضي العليل.

لا يمكن لأي تحول اجتماعي في المفاهيم العامة والسلوكيات، أن يشق طريقه في شتى مجالات الحياة، لطالما هناك قوى مناهضة للتغيير والتطوير، بدعم تيارات فكرية وسياسية ذات أهداف ضيقة تسيطر عليها سياسة محاصصة وهيمنة سياسية واجتماعية محافظة شكلياً، ضد قوى منافسة ذات الاتجاهات المتحررة والتقدمية ورأي عام موالٍ للتغيير والتطوير ومواكبة الحاضر والمستقبل.

بالرغم من التطورات الاجتماعية الملموسة، التي حدثت في معظم الدول والمجتمعات، إلا أنه في المقابل لا زالت هناك قوى أخرى شديدة المناهضة لكسر أي تطور وحواجز نحو ولادة مجتمع متحرر من القيود التقليدية، فمثلما هناك تحالفات سياسية على حسابات وطنية، هناك ايضا تحالفات على حساب القيم الاجتماعية والفكرية ذات الطبيعة المتحررة من المحاذير ذات الصبغات الدينية المصطنعة والشكلية، بينما الواقع يقول العكس حين يجرى التعمق في التحليل والتعرف على الكواليس الخفية في عالم السياسية العربية.

يفترض أن تحظى مسيرة ورحلة القاضية غينسبرغ باهتمام أهل القانون، وأن يتم استبدال كلمة "جنس" SEX في البيانات الرسمية باستخدام الألقاب الرسمية في البيانات الرسمية كسيد وسيدة أو ما يتناسب مع الفرد المعني من لقب علمي ومهني، فمن غير المعقول أن يستمر التعريف بالإنسان على أساس جنسي أي ذكر وأنثى.

وليس من الصواب فرض الإفصاح عن الحالة الاجتماعية لكل فرد، إلا في حالات ضيقة وضمن الإطار القانوني.

الكلمات الدالة