الأحد - 01 تشرين الثاني 2020
بيروت 25 °

إعلان

لجم الدولار على حساب المودعين

تعبيرية(تصوير مارك فياض)
تعبيرية(تصوير مارك فياض)
A+ A-
 
غسان بيضون

عشية ذكرى حركة السابع عشر من تشرين، صدر عن حاكم مصرف لبنان بيان نفى فيه أن يكون حدّد سقوفاً للمبالغ الممكن للمصارف سحبها بالليرة وفي نفس الوقت اعترف بآلية اعتمدها وضعت سقفاً لسحوبات المصارف بلغ خمس مليارات شهرياً لتلبية مسحوبات عملائه. وتندرج هذه الآلية في سياق سلسلة التدابير المتلاحقة التي ما نكاد نستوعب أبعاد السابق منها حتى نغرق في فك طلاسم ما يليه. وقد تحضّرت المصارف لتجيير انعكاسات هذا "التدبير" المعقّد وتكلفته المحتملة إلى المودعين، وبدأت المراجع الاقتصادية بالتعبير عن مواقفها الاعتراضية، وعلى رأسها التجار وغيرهم من الفئات والجهات والمؤسسات المعنية بنتائجه السلبية. 
والغريب هو أن لا يكون مصرف لبنان أصدر قراراً بهذا الشأن، وإنما اكتفى بإبلاغ جمعية المصارف، بصيغة غير خطية وغير رسمية، "آلية" أقرّ الحاكم بوجودها في بيان صدر عنه، فيما عادت الجمعية لتعلن أن المصارف، "بعد تأكيد مصرف لبنان"، سوف تستمر بتأمين السيولة النقدية بالليرة للسوق بشكل طبيعي، وبقيت على "حضّ" المواطنين على استعمال الوسائل الأخرى المتاحة لديهم كبطاقات الائتمان، الشيكات والتحاويل المصرفية. 
وفيما بدا تأثير "آلية" الحاكم هذه كفعل الملح على جرح الحصار المالي الذي تعيشه البلاد، استغرب مصرفيون وخبراء أن يتم التعامل مع إجراءات على هذه الأهمية والتأثير بهذه الخفة والاستهتار؟!
بالفعل، وانسجاماً مع الآلية "الافتراضية" هذه، يبدو أن تطبيق التدابير قد بدأ لدى المصارف داخلياً وشفهياً.
وقد نشر أحد كبار المصارف إعلاناً يعكس صحة وجود تعليمات تتعلق بالتحويلات الواردة من الخارج وتخفيض سقوف استخدام الـ debit card للسحوبات النقدية بالليرة وبالدولار. وفي الوقت عينه انتشر تسجيل صوتي لمسؤول في مصرف كبير آخر أعلن فيه عن تخفيض سقف السحوبات عبر الصراف الآلي إلى 500 ألف ليرة باليوم ومليون ليرة في الأسبوع ومليوني ليرة بالشهر، "كي لا نقطع "البشرية" من السيولة النقدية"، ويطلب إبلاغ الجيش والدرك والمالية، وغيرهم ممن يتم تحويل رواتبهم الموطّنة إلى المصرف، بعدم توافر السيولة النقدية على الصندوق وبأنه سوف يكون على حاملي الـ debit card استعماله حيث يلزم، وطلب تحضير إحصائيات لأصحاب الرواتب الموطّنة لدى هذا المصرف تميّز بين المدينين وغير المدينين له منهم، تمهيداً لإيجاد طريقة للتخلص من حساباتهم. وقد أثارت هذه التعليمات الشكوك حول جديتها وصدقيتها وقانونيتها وخلفياتها، وأطلقت الجدل حول إمكانات الالتزام بها، وحول حق المصارف بتطبيقها على رواتب الموظفين والمتقاعدين وغيرهم من المودعين ممن لا مصدر لعيشهم سوى مسحوباتهم من ودائعهم. 
إن تطبيق هذه "الآلية المزعومة" والخوف من تجاوز سقف الخمس مليارات، كان ليؤدي حكماً إلى الحد من قدرة المصارف على تلبية طلبات وحاجات أصحاب الحسابات، بحيث سوف تضطر، من أجل ذلك، أن تسيّل جزءاً من توظيفاتها لدى مصرف لبنان، أي من شهادات الإيداع (CD) والودائع dépôts وليس من حساباتها الجارية الحرة، بالرغم من توفر الرصيد فيها. وتالياً، فإن سحب أي مبلغ يتجاوز هذا السقف كان ليحمّل المصارف "خسائر" نتيجة تأمين السيولة الإضافية المطلوبة من "تسييل" شهادات الإيداع على سبيل المثال، التي تراوح فوائدها بين 7 و 10%. ويدعي مصرفيون بأن هذه الخسارة كانت لتنسحب على المتبقي من عدد سنوات التوظيف وتتضاعف بضرب النسبة بعدد هذه السنوات. وتالياً، فإنه لم يكن من مصلحة المصارف تلبية طلب زبائنها بالسحب من ودائعهم أكانت بالليرة أو بالدولار "المترجم" إلى الليرة على أساس سعر صرف "المنصة"، بحيث يتساوى أصحاب الحسابات في سقف مسحوباتهم المتاح بمعزل عن أرصدتهم. وللتسوق سوف يضطر كل منهم لاعتماد بطاقات الدفع المتصلة بحسابه (Debit Card) ودفع قيمة مشترياته منها. 
أما الهدف المباشر لهذا "القرار- الآلية" فيبدو أنه كان الحد من السيولة المتاحة بالليرة في السوق من خلال "محاصرة" ودائع المواطنين، وذلك في محاولة للجم سعر صرف الدولار واستدراج الدولارات النقدية المكتنزة للنزول إلى السوق، فيصيب عصفورين مؤثرين على سعر صرف الدولار بتدبير واحد: حجب السيولة بالليرة عن طلب الدولار وزيادة عرض العملة الخضراء، مقابل انعكاسات سلبية ومشاكل كانت لتعترض التعامل والتبادل التجاري. وأهمها صعوبة التعامل بالشيكات، وأن يجد المواطن غير القادر على استعمال الشيكات صعوبة لتغطية مشترياته من المحروقات والأدوية وقطع الغيار لسيارته أو غيرها، وكذلك الأمر بالنسبة غلى مستوردي المواد المدعومة، لا سيما وأنه سبق لمصرف لبنان أن ألزمهم بموجب تعميم آخر بتأمين المبالغ اللازمة بالليرة، بحيث كانوا ليضطروا لطلب هذه "الليرة" من الزبائن. 
بالطبع لم تكن خيرات هذا التدبير لتقف عند إعلان منشآت النفط عن توقفها عن تسليم مادة الديزل للسوق، وكان علينا أن نتوقع سلسلة من الإجراءات المشابهة في السوق ولدى المؤسسات التجارية والخدماتية وربما الصحية والصيدلانية والاستشفائية وغيرها. وقد بينت التطورات أن إعلان المنشآت عن اتصالات جارية لمعالجة انعكاسات تطبيق "آلية "مصرف لبنان كان في محله. وبعد المنشآت أطلق رئيس جمعية التجار نقولا الشماس صافرته الاعتراضية وفنّد انعكاسات استخدام الشيكات على حركة التجارة. ولولا تراجع مصرف لبنان كنا لنسمع أصوات تجمعات الموظفين والنقابات والاتحاد العمالي العام بالاتجاه عينه. 
تؤكد هذه الواقعة أن اللبنانيين يعيشون في الواقع حالة استبداد وتعسف "الحاكم" ومعه جمعية المصارف، بحيث لم يعد ذلك يقتصر على أموال المودعين وإنما تجاوزها إلى مداخيل المواطنين، الذين باتوا أسرى الحاكم ورهائن الجمعية، ويدفعون ثمن أخطاء هؤلاء وأطماعهم وتماديهم في استباحة القوانين وفشلهم في حماية الاقتصاد والعملة الوطنية وتأمين استقرارهما، وثمن عجزهم عن إيجاد الحلول العادلة ليتحول كل ذلك ويترجم زيادةً في أعباء المواطن ومزيداً من الخسائر على حسابه ومن القيود على حريته بالتصرف حتى في طريقة استهلاكه ووتيرته ونمطه.
إن محاولة تقنين المصارف على السحوبات بالليرة حتى على رواتب الموظفين الموطّنة أثارت قلق هذه الفئة من المودعين، لا سيما وقد انكشف إمكان للاتجاه نحو الخلاص منهم، ما لم يكونوا مدينين للمصرف، وان توطين رواتب القطاع العام جرى فرضه على الموظفين من دون ان يكون هناك اي بروتوكول او تفاهم خطي موقّع بين جمعية المصارف ووزارة المال. وهذا القلق لن يقتصر على الموظفين طالما أننا أمام حكومة غائبة ووزارة مال في غير هذه الدنيا والقوى السياسية صامتة ومجلس النواب غارق في درس مشروع قانون "الكابيتال كونترول" لدى لجنة المال والموازنة، حيث لا حدود للمراوحة والتسويف والمماطلة وانتظار التوافق السياسي "الجهنمي" ليستقر عند حدود توازن القوى وتعاونها على الاستبداد، فيما التعسف المتصاعد والضغط المتزايد والاحتقان والإهمال مستمرة تحت حصار لئيم يقلق ذوي الدخل المحدود ويستنزف صبرهم وقدرتهم على الاحتمال قبل انفجار كبير يمكن أن يتجاوز فيه هؤلاء حدود "العيب"، دفاعاً عن حقهم بلقمة العيش وحبة الدواء والحليب لأطفالهم. 
والغريب أن تجد متحمسين لاستثمار هذا الحصار ولرشّ المزيد من الملح على جرحه!

*مدير عام الاستثمار السابق في وزارة الطاقة والمياه.
خبير في شؤون الإدارة المالية والموازنة العامة والرقابة على حساباتها في ديوان المحاسبة سابقاً.
الكلمات الدالة