الخميس - 26 تشرين الثاني 2020
بيروت 19 °

إعلان

كابوس "اللاجدوى" ويوم لبناني طويل

المصدر: "النهار"
مشهد من الشارع اللبناني ومآسينا التي تطول (تعبيرية- حسام شبارو).
مشهد من الشارع اللبناني ومآسينا التي تطول (تعبيرية- حسام شبارو).
A+ A-
 
غسان صليبي

تحاصرني "اللاجدوى" بوقائعها، وتمدني بالامثلة والارقام والدلائل وبدروس التاريخ والجغرافيا، وترفق كل هذا بتجربة الانتفاضة، التي عجزت عن تحقيق أهدافها.
 
تلحّ عليّ "اللاجدوى" للاعتراف بحتميتها، في وطن نحاول منذ مئة عام ان نبنيه، بدون جدوى. وتدعوني لإعتناق عقيدتها كمذهب حياة، اي التسليم بـ"جدوى اللاجدوى"، اذا اردت العيش في هذه البلاد.
 
احتدم النقاش بيني وبين "اللاجدوى"، مساء يوم الجمعة الماضي في ١٣ تشرين الثاني. فقد كنت قد رفعت في وجهها نتائج انتخابات طلاب الجامعة الاميركية في بيروت، التي انتصر فيها التيار العلماني على احزاب السلطة التي فضلت الانسحاب من المعركة على الاعتراف بهزيمتها المحتملة.
 
رد "اللاجدوى" عليّ جاء سريعا. وبدل ان تواجهني بوقائع من الماضي، قالت فلنراجع معا احداث اليوم.
 
"لا شك ان انتصار التيار الطالبي العلماني مهم، لكنه حصل في اطار جامعة خاصة يرتادها طلاب ميسورون نسبيا. وهذا ما حصل ايضا في الجامعة الاميركية اللبنانية. ماذا عن الاتجاهات السياسية في الجامعة اللبنانية حيث طلاب الفئات الشعبية؟ لا احد يعرف حتى الآن، وقد لا تسمح لنا إدارة الجامعة بأن نعرف، في انتخابات قريبة".
 
"هل يمكن اعتبار النزعة الطالبية، انعكاسا لحالة المجتمع؟ فلنخرج قليلا من الجامعة وننظر من حولنا، على ان نبقى في اليوم نفسه".
 
"ففي هذا اليوم اجتمع وفد من الاتحاد العمالي العام بوفد من اتحاد عمال مصر، جاء للتضامن معه بعد انفجار المرفأ. الزيارة مشكورة لكنها استمرار لتواصل قديم بين الاتحاد اللبناني والاتحاد المصري التابع كليا للسلطة في مصر والمعادي للحريات النقابية. طبعا لا نحتاج لهذه الزيارة للدلالة على اتجاهات الاتحاد اللبناني الموالية أيضا للسلطة في لبنان. لكن الزيارة مناسبة للتذكير بأنه في مصر نشأت نقابات مستقلة معارضة للسلطة وللاتحاد العام المصري، وقد شاركت هذه النقابات بفعالية في الثورة وتمكنت من فرض الاعتراف بها قانونا بعد ذلك."
"صحيح انه في لبنان نشأت خلال الانتفاضة تجمعات من مثل "مهنيون ومهنيات"، لكنها بقيت محصورة التمثيل في المهن الحرة، فيما لا يزال القطاع العمالي شبه خالٍ من حركة عمالية معارضة، بإستثناء بوادر من هذا النوع، في إطار ما سُمّي بـ"التحالف الاجتماعي"، الذي أطلق اجتماعه التأسيسي منذ فترة قصيرة".
 
"فلنذهب الآن شمالا، الى جبيل"، تتابع "اللاجدوى". "فقد حصل هناك حادث تعرض فيه حارس مسجد لاعتداء. ومهما كانت دوافع الاعتداء، الا ان الاحتجاجات الشعبية التي تلته في طرابلس، والاستنكار الواسع من قبل أطراف دينية وسياسية، اسلامية ومسيحية، يعكس حجم الحساسيات الطائفية والدينية ومخاطرها، في نفس اليوم الذي انتصرت فيه نزعة علمانية عند الطلاب". 
 
"لم يركز الاعلام في هذا اليوم لا على حادثة جبيل ولا على الاجتماع النقابي، بل كان مشغولا بزيارة المبعوث الفرنسي المكلف بالمساعدة على حلحلة العقد التي تحول دون تأليف الحكومة وتسهيل المبادرة الفرنسية".
 
"نحن امام سلطة "دستورية" ترفض مساعدات خارجية يحتاجها شعبها لتأمين ابسط متطلباته كما انها لا تستطيع ان تحكم من دون هذه المساعدات. ومن اسباب رفضها ان من سيقدم هذه المساعدات سيراقب اعمالها تحت عنوان "الاصلاحات"، مما قد يؤدي الى فتح ملفات فساد هي متورطة فيها حكما. وهذه السلطة "الدستورية" تفضل على ما يبدو التعويل على سلطة الامر الواقع، اي على "حزب الله"، للاستمرار في مواقعها، رغم معارضة شعبها وانقطاع الدعم الخارجي". 
 
"لم يكتفِ الاعلام، في هذا اليوم الطويل، بالتركيز على هذا الانسداد السياسي، بل ذهبت التحليلات، بالاستناد الى مؤشرات عديدة، الى التخوف من حرب على حدودنا، بين "حزب الله" وإسرائيل، اذا قرر ترامب مهاجمة ايران قبل نهاية عهده. وقد ارفق الاعلام بهذه التحليلات، تحذيرات اسرائيلية للطيران المدني الغربي من مخاطر التعامل مع مطار بيروت الذي يستخدمه "حزب الله" في تلقي امواله وسلاحه". 
 
"فأي افق علماني في غياب عوامل تطور شرطها الديموقراطي، في ظل البنية المذهبية وتحكم السلاح الداخلي والنزاع العسكري الخارجي بمصير وطن؟".
 
لم أشأ متابعة الاستماع الى "اللاجدوى"، بعد ان استنفدت طاقاتي مع تقدم ساعات المساء، وشعوري بالحاجة للراحة والنوم.
 
قلت لـ"اللاجدوى" ان لاجدوى من ضغوطك، ليس لاني غير مقتنع بما تقولينه، بل لاني تربيت على معاشرة اللاجدوى، واستطيع التعايش معها، من دون ان أتبنى عقيدتك، أي "جدوى اللاجدوى".
 
اما بالنسبة إلى طلاب بلادي وشبابها العلماني، فهم في عز نشاطهم ويحبون الحياة، ومن يحب الحياة لا يسأل عن الجدوى. سيتخرجون ويدخلون عالم العمل وسيبنون نقابات مستقلة، وسينشرون الثقافة الديموقراطية والعلمانية اينما حلوا، وسيخلصون البلد من الحثالة التي تحكمنا اليوم.
 
كان علي ان اقنع نفسي بهذه الخلاصات السعيدة، حتى استطيع ان انام، بعد ليلة من التناحر مع كابوس "اللاجدوى".


 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم