الخميس - 22 تشرين الأول 2020
بيروت 25 °

إعلان

"التنكة بـ500 ألف ليرة"... محصول الزيتون وزيته لم يسلما من تداعيات ارتفاع الدولار

المصدر: "النهار"
موسم الزيتون.
موسم الزيتون.
A+ A-
 
فرح نصور
 
 لطالما كانت نبتة الزيتون مباركة ومصدر رزقٍ أساسي للقرى الجنوبية والشمالية المشهورة في إنتاج هذه الثمرة وزيتها. لم يسلم الزيتون وزيته من تداعيات ارتفاع سعر الدولار، وكان لا بدّ من السؤال عن ثمنه وثمن صفيحة زيت الزيتون التي يتهافت اللبنانيون على شرائها كمونة أساسية كلّ عامٍ في مثل هذه الأيام، في موسم قطف وعصر الزيتون. تقرير يلقي الضوء على تحديات إنتاج الزيتون وزيته في جنوب لبنان وشماله في ظلّ الأزمة الاقتصادية.  
 
موسم الزيتون هذا العام خفيف بالمقارنة مع العام الماضي، ويحدّد المزارعون سعر صفيحة الزيت ما بين 400 و500 ألف ليرة لأسبابٍ عديدة: أولاً، ارتفاع سعر عصر الزيتون الذي كان يوازي 10% من سعر صفيحة الزيت في الموسم الماضي، أي 15 ألف ليرة لكل صفيحة بـ150 ألف ليرة، أمّا اليوم، فستكون أجرة العصر أعلى بطبيعة الحال. "ارتأينا في معصرتنا، ومن مبدأ التعاطف مع المزارع، أن نضع 30 ألف ليرة كلفة العصر للصفيحة، ويمكن للمزارع كما جرت العادة، أن يدفع هذه النسبة زيتاً بدلاً من المال"، يشرح فادي فارس مسؤول الإنتاج في معصرة نقولا فارس في بلدة لبعا الجنوبية
 
 
 
ثانياً، ارتفاع سعر الصفيحة يعود إلى ازدياد الطلب على زيت الزيتون جراء غلاء الزيت الصناعي مع بداية الصيف لهذا العام، فيما بقي سعر صفيحة زيت الزيتون بـ 150 ألف ليرة فأصبح أوفر من الزيوت الصناعية التي ارتفع سعرها كثيراً، وهناك مَن خزّن زيت الزيتون لتقديره بأنّ سعره سيرتفع، وبالتالي أدّى ذلك إلى فقدانه. بالإضافة إلى ذلك، فإن موسم الزيتون لهذا العام شحيح ولن يكون هناك كمية زيت وافرة في السوق.
 
كما يتأثّر سعر الصفيحة بارتفاع سعر كيلو الزيتون بحدّ ذاته، "فنحن نشتري الزيتون من بعض المزارعين ب 8000 ليرة للكيلو. وكذلك، ارتفع سعر اليد العاملة، إذ كان أجر العامل اليومي نحو 30 إلى 40 ألف ليرة، أمّا اليوم فارتفع وأصبح أكثرية هؤلاء العمال من الجنسية المصرية أو السورية"، يقول فارس.
في هذا الإطار، يفيد فارس أنّ بعض معاصر الزيت بدأت بتوجيه إنتاجها إلى الأسواق الخارجية لأنّ زبائن الخارج يدفعون بالدولار، فالسوق الخارجية أصبحت مربحة أكثر من السوق المحلية مع ارتفاع سعر الدولار.
 
معصرة فارس لا تعصر الزيتون فقط، بل يبيع أصحابها عادةً الزيت بالزجاجات في بعض السوبرماركات الخاصة، لكنّهم أوقفوا إنتاجها وتوزيعها لهذا الموسم في الزجاجات لعدم قدرتهم على التسعير في ظل ارتفاع سعر الدولار وللاحتفاظ بمخزون الزجاجات، فهم يستوردونها من إيطاليا بنحو 4 يورو للزجاجة، وينوون سحب ما كان موجوداً في السوبرماركات، فعملهم يعتمد بنسبة 70 إلى 80 % على إنتاج صفائح الزيت.
 
 
 في بلدة حولى الجنوبية، تروي إم كريم ياسين، مزارِعة زيتون، أنّ سعر كيلو الزيتون الأخضر العام الماضي كان 5000 ليرة وأصبح هذا العام بين 12 و15 ألف ليرة. وتعود أسباب هذا الغلاء إلى أنّ ارتفاع سعر الدولار أدّى إلى ارتفاع سعر كلفة إنتاج الزيتون. ارتفع سعر اليد العاملة، فعمال قطف وفرط الزيتون ينتظرون هذا الموسم طيلة السنة، وكذلك ارتفع سعر الأدوات الخاصة بالقطف مثل بساط النايلون الذي يوضع تحت شجر الزيتون خلال عملية القطف ويُسمّى (مَيزَر)، ومشط القطف كان سعره 2000 ليرة أصبح بـ 8000 ليرة، وحتى القفازات التي يستخدمونها للقطف كان سعرها 1500 ليرة وأصبحت بـ 8000 ليرة، وكذلك مراطبين الزيتون، فما كان سعره بـ1500 ليرة أصبح بـ 3000 ليرة، وما كان بـ 2500 ليرة أصبح بـ 6000 ليرة، وغالون الزيت الفارغ كان سعره 6000 ليرة وأصبح بـ 18000 ليرة.
 
بالإضافة إلى كلفة الإنتاج، أثّرت العوامل الطبيعية كثيراً في كمية الزيتون؛ كان موسم الزيتون هذا العام مقبولاً، لكن تقلّبات الطقس كهبّات الحر التي حدثت في الصيف، أماتت الزهر، وعندما أصبح ثمراً أخذ وقتاً إضافياً كي يكوّن زيتاً في داخله ليعطي نوعية جيدة منه. بالإضافة إلى الحرائق التي اندلعت في بلدات متعدّدة في الجنوب، وأدّت إلى تضرّرِ المحصول جراء وصول دخان الحريق إليه، فمنه ما سقط أرضاً ومنه ما تأذّت ثماره.
ومع غلاء الأسمدة والأدوية الزراعية، تقول إم كريم، لجأ الكثير من المزارعين وخاصة في القرى الحدودية، وحولى واحدة منها، إلى استخدام الأسمدة التقليدية. وهي استخدمت دواء مثبتاً للزهر واعتمدت على التعشيب والفلاحة وعلى تنظيف الأرض ومحيطها، وعلى سقي الزيتون مرتين في الصيف.
 
 
 
بالتوجّه إلى شمال لبنان، يشتكي صاحب معصرة زيتون في بلدة الشيخ طابا، إلياس الراسي، بالقول: "مهما حكينا يبقى غصة في القلب"، ليجيب على سؤال حول سعر صفيحة الزيت. "العام الماضي كان سعر صفيحة الزيت يتراوح بين 100 و110 دولارات، أمّا اليوم فلا أحد يستطيع دفع 50 دولاراً ثمنها، أي ما يعادل حوالى 450 ألف ليرة. وهذا السعر ثابت في الشمال، ومَن يدفع نقداً بالدولار قد يحصل عليها بـ 40 دولاراً على سعر صرف السوق طبعاً".
 
أيضاً، ارتفع أجر العمال وسعر قِطَع صيانة آلات العصر، فأصبحت صفيحة الزيت باهظة على المستهلك ورخيصة بالنسبة للمزارع إذا ما حسبناها بالدولار. فإذا ما أراد اليوم موظّف ما شراء مونته من الزيت للسنة كلّها يدفع كل راتبه. "صفيحة الزيت انخفض سعرها ولم يرتفع، إذ لا يمكننا بيعها بـ 200 ألف ليرة كما في السابق، وهذا السعر لا يغطّي أجور العمال وبدل عصر الزيتون، وكل ما يشتريه صاحب المصلحة بالدولار ارتفع سعره".
وفق الراسي، "هناك معاصر زيتون في المنطقة لم تفتح أبوابها هذا العام، لعدم قدرة أصحابها على شراء قطع صيانة لها، وبالتالي لن يستطيعوا تعويض كلفة الصيانة؛ فالجِلدَة، وهي قطعة توضع في آلة الكبس، كان سعرها 100 ألف ليرة العام الماضي وأصبحت اليوم 800 ألف ليرة". 
 
ويصرّ الراسي على التسعير بالدولار، ويؤكّد على أنّ "كيلو الزيتون الأخضر في الشمال ثمنه حوالى دولار واحد أي 8000 ليرة، أمّا السنة الماضية فكان بـ 4 دولارات أي بـ 6000 ألف ليرة". 
هذا العام، قليلون هم المزارعون الذين استطاعوا رش الزيتون بالمبيدات بسبب ارتفاع سعرها، و"أنا واحد منهم"، وهناك بعض التجار لا يبيعون إلّا بالدولار نقداً وحصراً. وعدم رش كرمه جعل المحصول ضعيفاً، كما كان عليه أن يدفع حوالى 10 آلاف دولار للأسمدة، وهو مبلغ لن يستطيع تعويضه، فلن يستطيع تعويض 80 مليون ليرة، وحاول البحث عن أسمدة عربية تقليدية بديلة. وكرم الزيتون لديه دون رش، ولن يعطي كمية كبيرة بطبيعة الحال، لكن نوعية الزيت تكون ذات جودة عالية. 
و"الطبيعة تحاربنا أيضاً"، بحسب تعبيره، فحتى الآن لم تمطر، ولن تكون نوعية الزيتون جيدة دون المطر، فيصبح زيته خفيفاً وحموضته مرتفعة.
 
 
من جهته، يعتبر إيلي زريبي، مالك كرم زيتون في بلدة القبيات الشمالية، أنّ صفيحة الزيت تكلّف المزارع حوالى 300 ألف ليرة ويجب أن تُباع كحدّ أدنى بـ 450 ألف ليرة لتغطي ثلث الإنتاج.
ويرى أنّ الموسم جيّد لكن كلفته باهظة جداً، فكلفة المبيدات والأسمدة هي خمسة أضعاف عن العام الماضي مع ارتفاع سعر الدولار. عبوة الدواء الزراعية كان ثمنها 22 ألف ليرة، أمّا اليوم فأصبحت بـ 125 ألف ليرة، والتجار يقولون إنّ هذه الأدوية مستورَدة. وكلفة اليد العاملة للرش أيضاً ارتفعت، إذ كان يكلّفه برميل الرش 10 آلاف ليرة فأصبح بـ 20 ألف ليرة، ويحتاج زريبي في كل رشة إلى 15 برميلاً، وهذه أكلاف إضافية على الدواء والمبيدات. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ سعرساعة الفلاحة كانت بـ 25 ألف وأصبحت بـ 60 ألف ليرة، ومعلّم التشحيل كان يأخذ بدل أتعابه 35 ألف ليرة ورفع السعر إلى 65 ألف ليرة يومياً. وفي المعصرة كان بدل عصر الزيتون 10 آلاف ليرة، وأصبح بين 30 و40 ألف ليرة.
 
زريبي الذي يملك 25 دنماً من شجر الزيتون، يقطف الزيتون بالفرّاطة وهي آلة كهربائية تُستخدم لفرط الزيتون بدلاً من فرطه يدوياً، وكانت كلفة استخدام هذه الآلة في اليوم 150 ألف ليرة وأصبحت 300 ألف ليرة، إذ يتولى أمر العمل بها ثلاثة عمال؛ ويدّعون أنّ قِطع غيار هذه الآلات هي بالدولار، مثلاً كان سعر بطاريتها 150 ألفاً وأصبح بـ 900 ألف ليرة؛ ويحتاج في كرمه إلى 20 فرّاطة لمدة 20 يوماً، ما يوازي 6 ملايين ليرة، عدا كل التكاليف الأخرى.
 
 
 
 
الكلمات الدالة