الأحد - 20 أيلول 2020
بيروت 28 °

المعمل الأخير لنفخ الزجاج في الصرفند... سحر فينيقيا

Bookmark
المعمل الأخير لنفخ الزجاج في الصرفند... سحر فينيقيا
المعمل الأخير لنفخ الزجاج في الصرفند... سحر فينيقيا
A+ A-

التصقَ اسم بلدة الصرفند بحرفة نفخ الزجاج الفينيقية في المعمل الشهير الذي يملكه الأشقاء خليفة. في زاروب طويل يتفرع من أحد الشوارع الرئيسية في المكان، يقع الفرن الذي يتم تشغيله موسمياً وفق طلبات الزبائن، وقد يحصل الأمر كل 3 أشهر مرة واحدة فقط. هناك استقبلَنا المعلم عباس خليفة، أحد أصحاب المعمل المتوارث عن الأـب محمود خليفة.

كان الرجل الستيني قد همّ للتوّ لأخذ استراحة صغيرة من عملية نفخ الزجاج ويعاونه أحد العمال خلال الدوام الليلي. يتناوب أفراد من عائلة خليفة على العمل في الفترة التي يكون فيها الفرن شغالاَ على مدار الساعة حتى انهاء الكميات المتفق على تصنيعها. بعد احتساء الشاي، يعود العم عباس الى العمل، فيسحب كرسي مجاور للفرن ويجلس ممسكاً بآلة النفح العمودية الطويلة. تركت النار وهجها على وجه الرجل وكل من عمل هنا صيفاً وشتاء. اذ تبلغ حرارة الفرن 1400 درجة مئوية ويحتاج تشغيله الى يومين والى همم ثمانية أشخاص عارفين على الأقل. علماً أن كلفة التشغيل تبلغ أربعة آلاف دولار أميركي.


[[embed source=annahar id=4537]]

\r\n

يحملُ من مارس المهنة لأكثر من 40 عاماً خلت، آلة النفخ ويحرّكُ بها قطعة الزجاج قبل أن يطلقَ أنفاسه في الآلة العمودية. ينتفخ الزجاج على شكل كرة دائرية يزيدها النفخ حجماً، قبل أن يعاود ادخالها الى الفرن الملتهب ويعود الى تكرار العملية.\r\n

الى جانب الفرن تقع صالة عرض القطع الزجاجية التي يتهافت الزوار والسياح لرؤيتها والتبضع منها. تجذبهم حرفة تقليدية معرضة للانقراض لولا جهود عائلة تؤتمن على آخر معمل يزاولها في لبنان. \r\n

والسحر في المهنة يعود أيضاً الى فينيقيا التي ألقت بثقلها ذات يوم على امتداد الساحل الجنوبي اللبناني، وقد مارس الفينيقيون هذه المهنة، وتعرض اليوم قطع الزجاج التي صنعوها في المتحف الوطني. ادراك العائلة لعوامل الجذب هذه جعلها تبذل جهوداً في التسويق. وتتولى ابنة المعلم عباس، السيدة نسرين ادارة هذا الجانب، فتشارك في المعارض على امتداد الاراضي اللبنانية وتستقبل وسائل الاعلام العالمية التي تستدل على المعمل من أجل اجراء تقارير مميّزة.\r\n

وتحدثنا نسرين في صالة العرض التي اصطفت على رفوفها الأشكال والألوان المختلفة، عن توارث المهنة عن الأجداد والعمل المنظم المشترك بين أفراد عائلة خليفة، "توارثنا المهنة أباً عن جد. وحالياً يعمل أبي وشقيقاه وأولاد عمي وأشقائي في المهنة التي تتطلب وجود 8 أشخاص محترفين لإشعال الفرن". بعد يومين من تحضير الفرن، "نضع الزجاج كي يذوب ونبدأ بالعمل". وجدير بالذكر أن الزجاج المعد للتذويب مصدره النفايات، "نستخدم الزجاج القديم تحديداً، نكسره ونغسله ومن ثمّ نذوبه، ونضع اللون بحسب طلب الزبون".\r\n

تتم عملية التصنيع على حرارة عالية الى أن يذوب الزجاج ويصبح شبيهاً بـ"العسل"، وبعد الانتهاء من تصميم الشكل الذي نريده، "نُخفض الحرارة التي يتعرض لها الزجاج تدريجياً، وتحتاج كل قطعة إلى 7 ساعات كي تخرج من الفرن".\r\n

أن يحافظ آل خليفة على المعمل الوحيد في لبنان لنفخ الزجاج، فالأمر يعني أن يتركز "النجاح على الاستمرارية والحفاظ على تراث أجدادنا". صحيح أن الأرباح في صناعة الزجاج ليست كبيرة، لكن "هدف نشر صورة جميلة عن لبنان عبر حرفة مميّزة لا يمكن للجميع أن يتقنها أمرٌ يدفعنا للاستمرار ويشعرنا بالامتنان".