السبت - 26 أيلول 2020
بيروت 30 °

إمامان والسلام

المصدر: " ا ف ب"
رضا نازه- المغرب
A+ A-

- السلامُّ عليكم...

باقتضابٍ وصوتٍ جهير، سلَّم الإمامُ عن اليمين مرة واحدة، ثم استدار بسرعة يَعْقِدُ أصابعَه بالتسبيح. أخذ الناس ينصرفون، بينما استأخرْتُ رويدا رويدا حتى حبَسني الجدار، فأسندتُ ظهري إليه. كنت أنوي في خويصة نفسي أن أمكُثَ قليلا في المسجد الصغير أستمدُّ مِن سكونِه لسكينتي. وكنتُ أريد كذلك أن أعصيَ قطعة زليج مستطيلة فوق الباب، كُتب عليها بخط عشوائي "مسجد الصلوات الخمس". هكذا. حصرًا. أمسِ فقط لم تكن هناك، تلك القطعة من الزليج. كيف ظهرتْ فجأة؟ كأنها كُتِبت على عجَل، وأثبِتَتْ فوق الباب إنذارا لمن سوَّلت له نفسه أن يجلس في المسجد قليلا، كحاليَ الآن. ولولا أشخاصٌ ما زالوا يتمون ما فاتهم، ما تجرَّأتُ على المُكثِ بعد لوحة حمورابي تلك. السِّي بوعزة بالمرصاد. إنهُ يُطلُّ من حين لآخر داخل المسجد، ويحركُ مفاتيحه التي صارت مغاليقَ فور نهاية الصلاة. طبعا لن يتفوه بشيء ما دام المصلون هناك؛ هم حجتي عليه وعلى المنطوق والمفهوم من قطعة الزليج القاسية، وإن كانت مفاتيحُه تقول كلَّ شيء. لا أبالي. أنا في حاجة لزادٍ مِن هدوء المسجد.

ما لبث أن انسحب المتأخرون الواحدَ تلو الآخر، فهمَمْتُ بالانصراف لكن.. دخل رجلان. كيف لم يمنعهما السِّي بُوعْزَّة من الدخول؟ هل اشترط عليهما التخفيف؟ حتما. المهم أنهما كانا حُجًّة جديدة ألقيتْ إلي.. أحدُهما كان قصيرَ القامة نحيفا خفيفا، يبدو متوثبا للتنفيذ بلا توانٍ أو كسل، كأنه من كهرباء. إن صدقَتْ فراستي فقد يكون بوابًا ملحقًا بمكتب مدير أو قائد، تكهربَ بفعل نداءِ الكُبَرَاء عليه دون وسائطَ إدارية تلطِّفُ التعليمات. أما الثاني، فقد كان طُوَالا، يبدو عليه هدوءُ اليقين وسكونُ الماء. عجيب. سأشهد اليوم صلاة الكهرباء والماء جنبا إلى جنب.

لا أدري إن كان كهرباءُ وماءُ صاحبين أم لاقتهُما الصدفةُ فقط. لكن.. سرعان ما اجتذب كهرباءُ ماءً ليُصليا جماعةً، كأنهما معارفُ منذ زمن. تبادلا إشارةَ ليقيم أحدُهما الصلاة، ثم مكثا يقدِّمُ هذا ذاك وذاك هذا، حتى استقر الأمر على أنَّ ماءً سيكون إماما وكهرباءُ مأموما. بحول الله وقوته. استويا في صفٍّ ثنائيِّ القطبين وأخذ كهرباء يجهر بإقامة الصلاة، كأنه في جمع غفير. يا لقوة صوته على صِغَر بنيته. لا بأس. الأمر طبيعي لحد الآن. وحين فرغَ من إقامة الصلاة ورغم بَيْعةٍ كنتُ شاهدا عليها في صمت، لم يتوقف كهرباء عند آخر لفظة. بل رفع يديه وكبَّر فورًا تكبيرةً جهيرةً تبدو تكبيرةَ إحرام. ارتبك ماءُ بجانبه قليلا، واسترق النظر إلى مأمومِه، فوجده مُطرقًا جادا أيَّمَا جِد. لم يجد ماء بُدًّا من أن يكبر هو كذلك تكبيرة الإحرام بناءً على الاتفاق الأول، فإذا بكهرباء يُكبِّر خلفَه للمرة الثانية. الأمر هين. نعصِبُها برأس السهو أو الاستعجال، ثم إن الإمام يَجبُرُ أخطاءَ المأموم. بعد هنيهة وجيزة من قراءة شِبه صامتة، وربما استباقا لسرعة كهرباء، كبَّرَ ماءُ تكبيرة الركعة الأولى فتبعه كهرباء؛ لكنَّ كهرباء لم ينتظر طويلا؛ بادر بالرفع من الركوع؛ ثم قام ماءُ من ركوعه متثاقلا، ثم كبَّرَ للسجود فتبعه كهرباء، لكن رفَعَ قبله مرةً أخرى. أحسستُ أن ماءَ بدأت تهبُّ عليه رياحُ الشك الأربعة. مسكين. إمامٌ؟ أم مأمومٌ؟ أم هما معا؟ وعلى أي مذهب؟ \r\n

ثم كبر كهرباء للركعة الثانية، فما كان من ماء إلا أن تبعه مستسلما. وفي الرفع من التشهد الأوسط أذعن كهرباءُ لماءٍ حتى يقومَ فقامَ بقيامه لكن.. عند الركوع تدارك كهرباءُ حقَّهُ من الإمامة فكبَّرَ، فتبعَه ماء مستسلما؛ ثم كبَّرَ ماءُ للسجود فتبعه كهرباء؛ ثم كان الرفعُ من نصيب كهرباء ليتبعَه ماء؛ وحين فرغا من التشهد الأخير، سلَّمَا عن اليمينِ في حركة متوازية متزامنة. هنيئا! كادت صلاتهما تنتهي بالتعادل، لولا أنَّ ماء سلم ثانية عن الشِّمال، فانتفض كهرباء واستند على ركبته وأمسك بساعد صاحبه قائلا:" – ماذا فعلت؟ خالفت مذهب الإمامِ مالك في السلام!" ودار نقاش حول النازلة والنازلة قد تستدعي فقيها. أحسَّا بحضورٍ هناك فالتفتا ليجداني. ويا ليتني كنتُ أطعت قطعة الزليج. أشحْتُ بوجهي قبل لقاء الأعين تفاديا للإحراج.. ظننتهما سينصرفان لحالِهما وقد نال كلاهُما حظه من الإمامة، ونلتُ حظي من الترويح. لكنَّهما قاما وقصداني. ربما ظنا بي خيرا وقد كنتُ صاحبَ لحية واللحية سيماءُ الفقه والعلم. فيما يبدو للناس.

- سيدي.. ما قولك في السلام الثاني عن الشِّمال؟\r\n

تأملتُ الإمامَينِ أمامي، واعتقلَ لساني برهة، وكرهتُ أن أفتي في ذبح الحلزون قبل أكله، ثم لم أجد بدا من الكلام:\r\n

- سادتي الأئمة.. الكلام في أمور الدين دون رخصةٍ من المجلس العلمي افتيَاتٌ وانتحال، ونحن هنا في "مسجد الصلوات الخمس" وفقط، كما تعلمان، فتقبل الله صلاتكما.. \r\n

قال لي كهرباء بكل ما يملك من جِد، وماءٌ ينظر إليه مشدوها:\r\n

- يعني أنَّ علينا الذهاب إلى المجلس العلمي؟\r\n

قمت منصرفا وقلت لهما:\r\n

- نعم سادتي. إذا كانت مسألة السلام ستُشعِل حربا بينكما. فاذهبا.

اقرأ للكاتب أيضاً: كبقية لهيبٍ أسلمتْ من نارِ المجوسْ

الكلمات الدالة