الجمعة - 18 أيلول 2020
بيروت 29 °

بيروت...

Bookmark
بيروت...
بيروت...
A+ A-

منذ اختيارها عاصمة للبنان الكبير العام ١٩٢٠ لم تتوقف بيروت عن النمو في الدور والتطور في المكانة والريادة.\r\n

وقبل تلك المحطة التأسيسية المفصلية من تاريخها الحديث، احتلت هذه المدينة موقعاً متميزاً ورائداً في التاريخ الممتد لسبعة آلاف عام. وأهمية تاريخ بيروت لا تكمن في عدد ألفياته وحسب، وإنما في كثافة ما اختزنه من تنوع حضاري وثقافي ورقي انساني بلغ أوجه في محطات ليس أقلها حين شكلت مدرسة الحقوق فيها ميناء تصدير لعلم القانون ومعرفة الحقوقإلى ارجاء العالم الروماني القديم.\r\n

كُتب عنها الكثير وغنّاها كثيرون، ولكن حاضرها بنظري يبقى أهم ما يجب ان يُبحث ويكتب لسببين، الاول لأن الحاضر هو الحياة الراهنة لأبناء المدينة والوطن ومحبيها وهو ما يجب أن يكون موضع الاهتمام. والثاني لأن بيروت ما تزال تزداد سحراً وجاذبية في الداخل والخارج للبنانيين ولغيرهم، وهي ما تزال بالتالي تحتل مركزاً محورياً رائداً في الشرق وفِي العالم.\r\n

من يحب بيروت يعرف انها تتألم اليوم. تتألم من تخمة العمران على حساب تراثها وبيئتها والحيّز العام فيها. وهذا بسبب الاختلال في التوازن في المنظومة التشريعية والتنظيمية النافذة بين حاجات النمو الاقتصادي ومقتضيات حماية القيم المذكورة. تتألم بيروت من نزوح بعض ابنائها عنها بسبب ضيق سبل العيش أمامهم وبسبب عدم تأمين المستلزمات الأولية للحياة المُدُنيّة فيها وهي الخدمات العامة، والعمل المتسارع اليوم على تأمين هذه الخدمات لا يعفي من الصراحة في تصويب الأمور.\r\n

لا أمل للنهوض بلبنان إن لم يكن أساس ذلك النهوض بعاصمته بيروت. والإنماء المتوازن، تلك العبارة الواردة في مقدمة الدستور، المُضافة اليه في العام ١٩٩٠، تجد في بيروت نفسها خير مثال على الحاجة الماسة لتطبيقها. على ان الصفة الملازمة للإنماء يجب أن تكون الشامل بدل المتوازن. فالنمو الذي عرفته المدينة بعد العام ١٩٩٠ من إعادة إعمارها والهبّات العمرانية المتعددة في مرحلة ما بعد الحرب، لم يرقَ إلى إنماء متوازن أو شامل للعاصمة يصح تعميمه على سائر ارجاء الوطن، والسبب الرئيسي في ذلك يعود إلى عدم وضع وتنفيذ خطة نهوض شاملة كما يفترض بأية مدينة عاصمة. وحتى اليوم لا تزال عاصمتنا تنمو دون خطة استراتيجية متكاملة تؤمن إنماء شاملاً فيها. وفِي العام ٢٠٢٠ سوف يكمل لبنان عامه المئة كوطن وتكمل بيروت عامها المئة كعاصمة للبنان، ولا بد لنا ان نبدأ بالتحضير لاستقبال الذكرى المئوية الاولى بالتفكير الجدّي بالمستقبل وبالكثير من الصراحة. \r\n

دعوت منذ مدة وأدعو اليوم إلى ورشة تفكير وعمل على وضع تصور لمستقبل عاصمتنا يشترك فيه الجميع ولا سيما ثلاثة: هيئاتها المنتخبة والقطاع العام المسؤول عن إدارتها، مع القطاع الخاص الاقتصادي والقطاع الأهلي أو المجتمع المدني الحي والناشط فيها.\r\n

الكلمات الدالة